نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٦٦ - الحكم بن هشام
عبد الملك بن عبد الواحد إلى بلاد جلّيقية ، فانتهى إلى أسترقة ، فجمع له ملك الجلالقة واستمدّ بملك البشكنس ، ثم خام [١] عن اللقاء. ورجع أدراجه ، واتّبعه عبد الملك ، وكان هشام قد بعث الجيوش من ناحية أخرى ، فالتقوا بعبد الملك ، وأثخنوا في البلاد ، واعترضهم عساكر الفرنج فنالوا منهم بعض الشيء ، ثم خرجوا سالمين ظافرين.
ومن محاسنه أنه جدّد القنطرة التي يضرب بها المثل بقرطبة كما سبق ، وكان بناها السّمح الخولاني عامل عمر بن عبد العزيز ، رضي الله عنه ، فأحكم هشام بناءها إلى الغاية ، وقال يوما لأحد وزرائه : ما يقول أهل قرطبة؟ فقال : يقولون : ما بناها الأمير إلّا ليمضي عليها إلى صيده وقنصه ، فآلى هشام على نفسه أن لا يسلك عليها ، فلم يمرّ عليها بعد ، ووفى بما حلف عليه.
ومن محاسنه أيضا إكمال بناء الجامع بقرطبة ، وكان أبوه قد شرع فيه ؛ ومن محاسنه أنه أخرج المصدّق [٢] لأخذ الزكاة على الكتاب والسّنّة ، رحمه الله.
ثم توفي سنة ثمانين ومائة ، لسبع سنين وتسعة أشهر من إمارته ، وقيل : لثمان ـ وكان من أهل الخير والصلاح ، كثير الغزو والجهاد ـ وعمره أربعون سنة وأربعون أشهر ، وولد في شوّال سنة ١٣٧ [٣]. وولي بعده ابنه الحكم بعهد منه إليه [٤] ، فاستكثر من المماليك ، وارتبط الخيل ، واستفحل ملكه ، وباشر الأمور بنفسه. وفي خلال فتنة كانت بينه وبين عمّيه اغتنم العدوّ الكافر الفرصة في بلاد المسلمين ، وقصدوا برشلونة فملكوها سنة خمس وثمانين ، وتأخّرت عساكر المسلمين إلى ما دونها ، وبعث الحكم العساكر مع الحاجب عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الجلالقة ، فأثخنوا فيها ، وخالفهم العدوّ إلى المضايق ، فرجع على التعبية ، وظفر بهم ، وخرج إلى بلاد الإسلام ظافرا. وكانت له الواقعة الشهيرة مع أهل الرّبض [٥] من قرطبة لأنه في صدر ولايته كان قد انهمك في لذّاته ، فاجتمع أهل العلم والورع بقرطبة ، مثل يحيى بن يحيى الليثي صاحب مالك وأحد رواة الموطّإ عنه وطالوت الفقيه وغيرهما ، فثاروا به ، وخلعوه ، وبايعوا بعض قرابته ، وكانوا بالرّبض الغربيّ من قرطبة ، وكان محلّة متّصلا [٦] بقصره ، فقاتلهم الحكم ، فغلبهم ، وافترقوا ، وهدم دورهم ومساجدهم ، ولحقوا بفاس من أرض العدوة ،
[١] خام عن لقاء العدو : جبن وتراجع.
[٢] المصّدّق : عامل الزكاة ، وهو الذي يجبيها ممن وجبت عليه من السملمين.
[٣] في ب : ١٣٩.
[٤] انظر ابن خلدون ٤ : ١٢٥.
[٥] الرّبض : ضواحي المدينة وما حولها من مساكن.
[٦] في ب : متصلة.