نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٣١ - خبر ابن خلدون عن الأمم التي استوطنت الأندلس ، ووصف غرناطة
الأندلوش ، وتسكنه أمم من إفرنجة المغرب أشدّهم وأكثرهم الجلالقة. وكان القوط قد تملّكوه وغلبوا على أهله لمئين من السنين قبل الإسلام ، بعد حروب كانت لهم مع اللطينيين حاصروا فيها رومة. ثم عقدوا معهم السلم على أن ينصرف القوط إلى الأندلس ، فصاروا إليها وملكوها. ولما أخذ الروم واللطينيون بملّة النصرانية حملوا من وراءهم بالمغرب من أمم الفرنجة والقوط عليها فدانوا بها ، وكان ملوك القوط ينزلون طليطلة ، وكانت دار ملكهم. وربما تنقّلوا ما بينها وبين قرطبة وإشبيلية وماردة ، وأقاموا كذلك نحوا من أربعمائة سنة إلى أن جاء الله بالإسلام والفتح. وكان ملكهم لذلك العهد يسمّى لذريق ، وهو سمة لملوكهم ، كما أن جرجير سمة لملوك صقلية ، انتهى.
ومن أشهر بلاد الأندلس غرناطة ، وقيل : إن الصواب إغرناطة ـ بالهمز ـ ومعناه بلغتهم الرّمّانة ، وكفاها شرفا ولادة لسان الدين بها.
وقال الشقندي [١] : أما غرناطة فإنها دمشق بلاد الأندلس ، ومسرح الأبصار ، ومطمح الأنفس ، ولم تخل من أشراف أماثل ، وعلماء أكابر ، وشعراء أفاضل [٢] ، ولو لم يكن لها ما خصّها الله تعالى به من المرج الطويل العريض ونهر شنيل لكفاها.
وفي بعض كلام لسان الدين ما صورته : وما لمصر تفخر بنيلها وألف منه في شنيلها؟ يعني أن الشين عند أهل المغرب عددها ألف ، فقولنا شنيل إذا اعتبرنا عدد شينه كان ألف نيل. وفيها قيل : [مخلع البسيط]
| غرناطة ما لها نظير | ما مصر؟ ما الشام؟ ما العراق؟ | |
| ما هي إلّا العروس تجلى | وتلك من جملة الصّداق |
وتسمى كورة إلبيرة التي منها غرناطة دمشق لأنّ جند دمشق نزلوها عند الفتح ، وقيل : إنما سمّيت بذلك لشبهها بدمشق في غزارة الأنهار ، وكثرة الأشجار ، حكاه صاحب مناهج الفكر ، قال : ولما استولى الفرنج على معظم بلاد الأندلس انتقل أهلها إليها فصارت المصر المقصود ، والمعقل الذي تنضوي إليه العساكر والجنود. ويشقّها نهر عليه قناطر يجاز عليها ، وفي قبليها جبل شلير ، وهو جبل لا يفارقه الثلج صيفا ولا شتاء ، وفيه سائر النبات الهندي ، لكن ليس فيه خصائصه ، انتهى.
[١] هو أبو الوليد إسماعيل بن محمد المتوفى سنة ٦٢٩ ه ، صاحب كتاب الطرف.
[٢] في ب : انتهى.