نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٠ - حديث المؤلف عن وطنه وحنينه إليه
فحيّاها الله من منازل ذات أقمار سائرة فيها ، ومنازه لا يحصي الواصف محاسنها وأمداح أهلها ولا يستوفيها : [البسيط]
| حلّوا عقود اصطباري عندما رحلوا | وفي الخمائل حلّوا مثل أمطار [١] | |
| إنّ المنازل قد كانت منازه إذ | باتوا بها وهي أوطاني وأوطاري |
ورعى الله من بان [٢] ، وشاق حتى الرّند والبان [٣] : [البسيط]
| بانوا لعيني أقمارا تقلّهم | لدن الغصون فلمّا آنسوا بانوا [٤] | |
| عهودهم لست أنساها ، وكيف وقد | رثى لبيني عنها الرّند والبان |
وفي مثل هذا الموطن تذوب القلوب الرّقاق ، كما قال حائز قصب السّبق بالاستحقاق ، الأديب الأندلسي الشهير بابن الزّقاق [٥] : [الوافر]
| وقفت على الربوع ولي حنين | لساكنهنّ ليس إلى الرّبوع | |
| ولو أنّي حننت إلى مغاني | أحبّائي حننت على ضلوعي |
وكما قال بعض من له في هذه الفجاج [٦] مسير : [الطويل]
| دخولك من باب الهوى إن أردته | يسير ، ولكنّ الخروج عسير |
وأين من له صفاة [٧] لا يطمع الدهر القويّ في نحتها ، وجنّات دنيوية لا تجري أنهار الفراق من تحتها : [الكامل]
| فسقى رضيع النّبت من ذاك الحمى | بحيا تدور على الرّبا كاساته [٨] | |
| سفح سفحت عليه دمعي في ثرى | كالمسك ضاع من الفتاة فتاته |
ولم أزل بعد انفصالي عن الغرب بقصد الشرق ، واتّصافي [٩] في أثر ذلك الجمع بالفرق : [الوافر]
[١] الخمائل : جمع خميلة ، وهي الموضع الكثير الشجر.
[٢] بان : بعد.
[٣] الرند : شجر طيب الرائحة. والبان : شجر طويل مستقيم لين الورق شبه به العرب قدود الغانيات.
[٤] بانوا الأولى بمعنى ظهروا. وبانوا الثانية بعدوا. وتقلّهم : تحملهم.
[٥] ابن الزقاق : هو علي بن عطية ابن أخت الشاعر ابن خفاجة.
[٦] الفجاج : جمع فجّ : الطريق الواسع الواضح بين جبلين.
[٧] الصّفاة : الصخرة العريضة الملساء.
[٨] الحيا : المطر.
[٩] في أ: واتّصالي.