نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٢٩ - ولاية عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر
والعقد ، فكان يوما مشهودا ، فكتب عهده من إنشاء أبي حفص بن برد بما نصّه : «هذا ما عهد به هشام المؤيد بالله أمير المؤمنين إلى الناس عامّة ، وعاهد الله عليه من نفسه خاصّة ، وأعطى به صفقة يمينه [١] بيعة تامّة ، بعد أن أمعن النظر وأطال الاستخارة ، وأهمّه ما جعل الله إليه من الإمامة ، وعصب [٢] به من أمر المؤمنين ، واتقى حلول القدر بما لا يؤمن ، وخاف نزول القضاء بما لا يصرف ، وخشي إن هجم محتوم ذلك عليه ونزل مقدوره به ولم يرفع لهذه الأمة علما تأوي إليه ، وملجأ تنعطف عليه ، أن يكون يلقى ربّه تبارك وتعالى مفرّطا ساهيا عن أداء الحق إليها ، ونقص [٣] عند ذلك من إحياء قريش وغيرها من يستحقّ أن يسند هذا الأمر إليه ، ويعوّل في القيام به عليه [٤] ، ممّن يستوجبه بدينه وأمانته ، وهديه وصيانته ، بعد اطّراح الهوى ، والتحرّي للحق ، والزّلّفى [٥] إلى الله جلّ جلاله بما يرضيه. وبعد أن قطع الأواصر ، وأسخط الأرقاب ، فلم يجد أحدا أجدر أن يوليه عهده ، ويفوّض إليه الخلافة بعده ، لفضل نفسه وكرم خيمه [٦] وشرف مرتبته وعلوّ منصبه ، مع تقاه وعفافه ومعرفته وحزمه ، من المأمون الغيب ، الناصح الجيب ، أبي المطرّف عبد الرحمن بن المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر ، وفّقه الله! إذ كان أمير المؤمنين ـ أيّده الله تعالى! ـ قد ابتلاه واختبره ، ونظر في شأنه واعتبره ، فرآه مسارعا في الخيرات ، سابقا في الحلبات [٧] ، مستوليا على الغايات ، جامعا للمأثرات. ومن كان المنصور أباه ، والمظفّر أخاه ، فلا غرو أن يبلغ من سبل البرّ مداه ، ويحوي من خلال الخير ما حواه ، مع أن أمير المؤمنين ـ أيّده الله! ـ بما طالع من مكنون العلم ، ووعاه من مخزون الأثر ، يرى أن يكون وليّ عهده القحطاني الذي حدّث عنه عبد الله بن عمرو بن العاص وأبو هريرة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال : «لا تقوم السّاعة حتّى يخرج رجل من قحطان يسوق النّاس بعصاه». فلما استوى له الاختبار [٨] ، وتقابلت عنده فيه الآثار ، ولم يجد عنه مذهبا ، ولا إلى غيره معدلا ، خرج إليه من تدبير الأمور في حياته ، وفوّض إليه الخلافة بعد وفاته ، طائعا راضيا مجتهدا ، وأمضى أمير المؤمنين هذا وأجازه ، وأنجزه وأنفذه ، ولم يشرط فيه مثنوية [٩]
[١] أعطى صفقة يمينه : أي أعطى عهده وذمته.
[٢] عصب : قوّى.
[٣] في ب : وتقصّى.
[٤] يعول عليه : يعتمد عليه.
[٥] في ب : والتزلف.
[٦] الخيم ـ بكسر الخاء ـ السجيّة ، الطبيعة.
[٧] الحلبات : جمع حلبة ، وهي المنصة التي تجري عليها المصارعة ونحوها. وأراد ساحة القتال ضد الأعداء.
[٨] في ب ، ه : الاختيار.
[٩] مثنوية : استثناء.