نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٦٣ - عبد الوهاب بن الحسين الحاجب المغني الشاعر
الهمّة سمحا بما يجد ، تغلّ عليه ضياعه كلّ عام أموالا جليلة ، فلا تحول السنة حتى ينفد جميع ذلك ويستسلف غيره ، فكان لا يطرأ من المشرق مغنّ إلّا سأل من يقصد بهذا الشأن ، فيدلّ عليه ، فمن وصله منهم استقبله بصنوف البرّ والإكرام ، وكساه وخلطه بنفسه ولم يدعه إلى أحد من الناس ، فلا يزال معه في صبوح وغبوق [١] ، وهو مجدّد له كل يوم كرامة ، حتى يأخذ جميع ما معه من صوت مطرب أو حكاية نادرة.
وجلس يوما وقد زاره رجلان من إخوانه ، وحضر أقرباؤه ، فطعموا وشربوا وأخذوا في الغناء ، فارتجّ المجلس [٢] ، إذ دخل عليه بعض غلمانه فقال : بالباب رجل غريب عليه ثياب السفر ، ذكر أنّه ضيف ، فأمر بإدخاله ، فإذا رجل أسمر سناط [٣] ، رثّ الهيئة ، فسلّم عليه ، قال : أين بلد الرجل؟ قال : البصرة ، فرحّب به ، وأمره بالجلوس ، فجلس مع الغلمان في صفّة [٤] ، وأتي بطعام فأكل وسقي أقداحا ، ودار الغناء في المجلس ، حتى انتهى إلى آخرهم ، فلمّا سكتوا اندفع يغني بصوت نديّ وطبع حسن : [الهزج]
| ألا يا دار ما الهجر | لسكّانك من شاني | |
| سقيت الغيث من دار | وإن هيّجت أشجاني | |
| ولو شئت لما استسقي | ت غيثا غير أجفاني | |
| بنفسي حلّ أهلوك | وإن بانوا بسلواني | |
| وما الدّهر بمأمون | على تشتيت خلّاني |
فطرب عبد الوهاب وصاح ، وتبيّن الحذق في إشارته ، والطّيب في طبعه ، وقال : يا غلام ، خذ بيده إلى الحمّام ، وعجّل عليّ به ، فأدخل الحمّام ، ونظف ، ثم دعا عبد الوهاب بخلعة من ثيابه فألقيت عليه ، ورفعه فأجلسه عن يساره ، وأقبل عليه وبسطه ، فغنى له : [مخلع البسيط]
| قومي امزجي التّبر باللّجين [٥] | واحتملي الرّطل باليدين |
[١] الصّبوح : الشرب في وقت الغداة ، والغبوق : الشرب وقت العشي.
[٢] ارتجّ المجلس : اضطرب.
[٣] سناط ـ بكسر السين ـ ليس في لحيته وعارضيه شعر.
[٤] الصفّة : المكان الظليل.
[٥] التبر في الأصل : الذهب ، وأراد به هنا الخمر ذات اللون الأصفر ، واللجين في الأصل الفضة وأراد به الماء الصافي ، والمقصود : امزجي الخمر بالماء.