نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٤٠ - كورة طليطلة وما اشتهرت به
وأما جزيرة طريف فليست بجزيرة ، وإنّما سمّيت بذلك الجزيرة التي أمامها في البحر مثل الجزيرة الخضراء ، وطريف المنسوبة إليه بربري من موالي موسى بن نصير ، ويقال : إن موسى بعثه قبل طارق في أربعمائة رجل ، فنزل بهذه الجزيرة في رمضان سنة إحدى وتسعين ، وبعده دخل طارق ، والله أعلم.
ومن أعظم كور الأندلس كورة طليطلة ، وهي من متوسط الأندلس ، وكانت دار مملكة بني ذي النّون من ملوك الطوائف ، وكان ابتداء ملكهم صدر المائة الخامسة ، وسمّاها قيصر بلسانه بزليطلة [١] ، وتأويل ذلك : أنت فارح ، فعرّبتها العرب وقالت : طليطلة ، وكانوا يسمّونها وجهاتها في دولة بني أميّة بالثغر الأدنى ، ويسمّون سرقسطة وجهاتها بالثغر الأعلى ، وتسمّى طليطلة مدينة الأملاك ؛ لأنها فيما يقال ملكها اثنان وسبعون إنسانا ، ودخلها سليمان بن داود ، ٨ ، وعيسى ابن مريم ، وذو القرنين ، وفيها وجد طارق مائدة سليمان ، وكانت من ذخائر إشبان ملك الروم الذي بنى إشبيلية ، أخذها من بيت المقدس كما مرّ ، وقوّمت هذه المائدة عند الوليد بن عبد الملك بمائة ألف دينار ، وقيل : إنها كانت من زمرّد أخضر ، ويقال : إنها الآن برومة ، والله أعلم بذلك.
ووجد طارق بطليطلة ذخائر عظيمة ، منها مائة وسبعون تاجا من الدّرّ والياقوت والأحجار النفيسة ، وإيوان ممتلئ من أواني الذهب والفضّة ، وهو كبير ، حتى قيل : إن الخيل تلعب فيه فرسانها برماحهم لوسعه ، وقد قيل : إن أواني المائدة من الذهب وصحافها من اليشم والجزع [٢] ، وذكروا فيها غير هذا ممّا لا يكاد يصدّقه الناظر فيه.
وبطليطلة بساتين محدقة ، وأنهار مخترقة ، ورياض وجنان ، وفواكه حسان ، مختلفة الطعوم والألوان ، ولها من جميع جهاتها أقاليم رفيعة ، ورساتيق مريعة ، وضياع بديعة ، وقلاع منيعة ، وبالجملة فمحاسنها كثيرة ، ولعلنا نلمّ ببعض منتزهاتها [٣] فيما يأتي من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وطليطلة قاعدة ملك القوطيين ، وهي مطلة على نهر تاجه [٤] ، وعليه كانت القنطرة التي
[١] في ب : بزليطة.
[٢] اليشم : حجر يشبه الزبرجد. والجزع : خرز يمان فيه بياض وسواد.
[٣] في ب : متنزهاتها.
[٤] نهر تاجه : نهر عظيم يشق طليطلة قصبة الأندلس في الزمن الأقدم ، يخرج من بلاد الجلالقة ويصب في البحر الرومي.