نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٩١ - المؤلف يصف موقف الوداع
بينهم السحاب [١] ، وزند التذكّر يقدح الأسف فيهيج الانتحاب ، وقد تمثّلنا إذ ذاك والجوانح من الجوى في التهاب ، وذخائر الصبر ذات انتهاب ، بقول بعض من مزّق البعد منه الإهاب : [الطويل]
| ولمّا نزلنا منزلا طلّه النّدى | أنيقا وبستانا من النّور حاليا [٢] | |
| أجدّ لنا طيب المكان وحسنه | منى فتمنّينا فكنت الأمانيا [٣] | |
| وقد طفت في شرق البلاد وغربها | وسيّرت خيلي بينها وركابيا | |
| فلم أر منها مثل بغداد منزلا | ولم أر فيها مثل دجلة واديا | |
| ولا مثل أهليها أرقّ شمائلا | وأعذب ألفاظا وأحلى معانيا |
وبقول من تأسّف على مغاني التداني ، وهو أبو الحجاج الأندلسي الداني [٤] : [الطويل]
| أبى الله إلّا أن أفارق منزلا | يطالعني وجه المنى فيه سافرا | |
| كأنّ على الأيام حين غشيته | يمينا فلم أحلله إلّا مسافرا |
وتخيّلنا أنّ إقامتنا بدمشق وقاها الله كل صرف ، ما كانت إلّا خطرة طيف ملمّ أو لمحة طرف : [الوافر]
| وقفنا ساعة ثم ارتحلنا | وما يغني المشوق وقوف ساعه | |
| كأنّ الشّمل لم يك في اجتماع | إذا ما شتّت البين اجتماعه |
وطالما علّلت النفس بالعود إليها ثم إلى بقاعي ، منشدا قول الأديب الشهير بابن الفقاعي [٥] : [الطويل]
| متى عاينت عيناي أعلام حاجر | جعلت مواطي العيس فوق محاجري | |
| وإن لاح من أرض العواصم بارق | رجعت بأحشاء صواد صوادر [٦] | |
| سقى الله هاتيك المواطن والرّبا | مواطر أجفان هوام هوامر |
[١] السحاب : هنا المطر.
[٢] النّور : بفتح النون وسكون الواو : الزهر ، أو الأبيض منه.
[٣] في ب : فكانوا.
[٤] هو أبو الحجاج يوسف بن عبد الله الفهري الداني ، تولى أحكام بلنسبة ت (٥٩٢ ه).
[٥] هو محمد بن غازي الموصلي (٦٢٩ ه) شاعر دمشقي ينسب إلى الفقاع وهو نوع من الشراب (انظر : الوافي ٤ : ٣٠٦).
[٦] صواد : جمع صادية ، وهي العطشى.