نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٩٢ - ترجمة منذر بن سعيد (في المطمح)
| فلا تكن مغرما برزق غد | فلست تدري بما يجيء غد | |
| وخذ من الدهر ما أتاك به | ويسلم الروح منك والجسد | |
| والخير والشّرّ لا تذعه فما | في الناس إلّا التشنيع والحسد |
وله وقد آذاه شخص فخاطبه بالكنية ، فقيل له : أيؤذيك وأنت تخاطبه بالكنية؟ فقال: [الكامل]
| لا تعجبوا من أنّني كنّيته | من بعد ما قد سبّنا وأذانا | |
| فالله قد كنّى أبا لهب وما | كنّاه إلّا خزية وهوانا [١] |
وقال في المطمح : منذر بن سعيد البلوطي ، آية حركة وسكون ، وبركة لم تكن معدّة ولا تكون ، وآية سفاهة في تحلّم ، وجهامة وورع في طي تبسّم ، إذا جدّ وجد ، وإذا هزل نزل ، وفي كلتا الحالتين لم ينزل للورع من مرقب [٢] ، ولا اكتسب إثما ولا احتقب [٣] ، ولي قضاء الجماعة بقرطبة أيام عبد الرحمن ، وناهيك من عدل أظهر ، ومن فضل أشهر ، ومن جور قبض ، ومن حقّ رفع ومن باطل خفض ، وكان مهيبا صليبا صارما غير جبان ولا عاجز ولا مراقب لأحد من خلق الله في استخراج حقّ ورفع ظلم ، واستمرّ في القضاء إلى أن مات الناصر لدين الله ثم ولي ابنه الحكم فأقرّه ، وفي خلافته استعفى مرارا فما أعفي ، وتوفي بعد ذلك لم يحفظ عنه مدّة ولايته قضية جور ، ولا عدّت عليه في حكومته زلّة ، وكان غزير العلم ، كثير الأدب ، متكلّما بالحق ، متبيّنا بالصدق ، له كتب مؤلفة في السّنّة والقرآن والورع ، والردّ على أهل الأهواء والبدع ، وكان خطيبا بليغا وشاعرا محسنا ، ولد عند ولاية المنذر بن محمد ، وتوفي سنة ٣٥٥ ، ومن شعره في الزهد قوله : [الخفيف]
| كم تصابى وقد علاك المشيب | وتعامى عمدا وأنت اللبيب [٤]؟ | |
| كيف تلهو وقد أتاك نذير | أن سيأتي الحمام منك قريب | |
| يا سفيها قد حان منه رحيل | بعد ذاك الرحيل يوم عصيب |
[١] اعتمد على القرآن الكريم بقوله : (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ) فاستعمل الكنية استهانة به واستصغارا له ، ولم يستعمل اسمه وهو عبد العزى.
[٢] المرقب : المكان المرتفع.
[٣] احتقب الإثم : ارتكبه.
[٤] تصابى : أصلها تتصابى حذفت إحدى التاءين ، والتصابي : الميل إلى اللهو والصبوة ، وتعامى : أصلها تتعامى أي تتغافل ، وتتصنع العمى. واللبيب العاقل.