أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٧
من القرن الماضي، من أجل خلافة عالم توفي، ينقل عنه طلبه إلى وجوه البلاد شراء مزرعة له، كما ينقل عنه تعليل الطلب:" اني حضرت إلى هذه البلاد لآمر بالمعروف و انهى عن المنكر، و هذا لا يتم الا بان أكون مستغنيا عن الناس ...". و يمدح الأمين ما عرف عن علماء جبل عامل من قناعة و يذكر ان الشهيد الثاني كان يحرس كرمه ليلا بنفسه، و انه بنى داره بيده.
و الجمع بين نقل ما نقل السيد عن الحكيم و بين مديحه الشهيد الثاني بما مدحه به يبين منه على نحو جلي موضع العالم رجل الدين من" البلاد"، مجتمعا و ناسا، في مرآة السيد محسن الأمين. فهو منهم بمنزلة الوازع، و القائم خارج كتلهم و غرضياتهم و أهوائهم. و ينبغي له ان يحصن موضعه هذا، و ان يحملهم على القبول بمثل هذا الدور. فإذا صار إلى موضعه حفظ بينه و بين الناس مسافة يقوى بها عليهم، و يتوسل بها كسر شوكة أهوائهم.
و لا بأس هنا، كذلك، في المقارنة بين الأمين و بين عالمنا الآخر. فقد شارك الاثنان في ما يعرف باحداث ١٩٢٠ التي سبقت تنصيب فيصل ملكا على سوريا و تلت هذا التنصيب. فإذا بالحوادث كلها تدور، في رواية العالم الآخر، على اجتماع" الأمة العاملية" اليه، و على" احتشادات الجماهير الهابطة" داره، و الرايات تخفق فوق الآلاف الكثيرة من وفود الساحل و الجبل، و إشرافه على الجموع في وادي الحجير إذ" جلجل الوادي و جرجر صداه، و انطلقت الحناجر و الأكف و البنادق تمد الصدى بموجات اثر موجات تتجلجل في عنق الجبل
ثم تنطلق في الفضاء".
يصف العالم الآخر تنصيبه، و هو الشيخ، ملكا على الجماعة، و سيدا، فترفعه اهواؤها و غرائزها و عجزها عن الفعل الواضح، و يروي السيد محسن الأمين كيف عاد من ملاقاة فيصل إلى جبل عامل فعرج هو و صحبه على قرية الذنيبة للمبيت فأبى أهلها ان يضيفوهم" مع اننا لم نستطعمهم لان طعامنا كان معنا". فقصدوا إلى دار شيخ البلدة فقالوا: عندنا مرضى. فخرجوا إلى ساحة البلدة فاخذ أهلها يتفرقون. و يكتب السيد:" فاغلظنا لهم في القول، و قلنا لهم: تذهبون إلى بلادنا بمواشيكم فنضيفكم و نحمل أثقالكم، و أنتم الآن تأبون ان تعطونا مكانا نبيت فيه"، فلم يؤثر فيهم ذلك. و مثل هذا السرد للوقائع، على نقيض العالم الآخر، وحده قدير على تعليل ما حصل من ركوب بعض العصابات نزواتها، و تسلطها على الناس، و اضطرار رجال الدين و الرؤساء إلى قراءة مزاميرهم على من أصابهم الصمم.
الصوت الخافت
و إذ يلخص السيد ما حمله وفد العامليين إلى فيصل ينزع عنه كل هالة كاذبة أو بطولة مدعاة: فأهل المنطقة الشرقية، اي عرب الجولان و عرب الحولة، يقولون للعامليين اما ان تكونوا معنا و اما علينا. فيجيبه فيصل: ان أهل جبل عامل يعزون علي و لا أريد ان يصيبهم بسببي سوء فليلزموا السكون. و كان السيد محسن الأمين يحدس في الاحتشادات و الرايات و الآلاف الكثيرة و الحناجر و البنادق و الموجات المجلجلة انها وثنية الشعائر ترفعها الجماعات لنفسها، و تقيمها لمجد أربابها الذين ترى فيهم صورا عنها.
فإذا روى فبصوت خافت، و إذا مدح أحدا مدحه بالتواضع و العمل الدائب، و إذا رسم مشهدا غاب عنه و اخرج نفسه منه. اما الناس في لوحاته فهم الناس على حقيقتهم، فهم مختلفون، متشاكون، متقاضون، يقدمون رجلا و يؤخرون رجلا، و لا يعدمون الشهم و الشجاع و الكريم ... و هؤلاء هم من على الشيخ ان يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر، و ان يحملهم على إصلاح أنفسهم و اجتماعهم، و ان يردع هيئتهم السياسية عن البغي عليهم و ظلمهم، و هو، في سعيه هذا، لا يملك عصا الساحر، و ينبغي ان لا يملكها أو يرضى بها.
لذا صرف العالم الشقرائي العاملي كثيرا من جهده إلى لجم سورة العامة و طلبها الخوارق في السيرة الحسينية. فاخذ على مجالس عاشوراء التي كانت تقرأ قبل ان يكتب هو" المجالس السنية"، شبهها بالقصص" التي تتلى في المقاهي في هذا العصر". و حملها على الكذب، و إيذاء النفس، و الصياح و الزعيق. و أنكر" ما يفعله بعض الناس أيام عاشوراء من لبس الأكفان و كشف الرءوس و جرحها بالمدى و السيوف حتى تسيل منها الدماء و تلطخ بها تلك الأكفان و دق الطبول و ضرب الصنوج و النفخ في البوقات و غير ذلك و السير في الازقة و الأسواق و الشوارع بتلك الحالة". و عجب من ربط بعضهم اخبار (التعزية)" التي هي أمور تاريخية"، و ليست احكاما شرعية،" بالخبر الضعيف في السنن". و استغرب ان توصف" نفس الرواية" بالمباح أو المكروه أو المستحب. و دعا إلى قراءة العزاء قراءة" خالصة من شوب الكذب الموجب لانقلابها معصية.
رعى السيد حسن محسن الأمين إصدار" أعيان الشيعة" في عشرة مجلدات، و نيف و خمسة آلاف صفحة من القطع الكبير (نصف صفحة صحيفة يومية)، في ١٩٨٦. فجمع الاجزاء الاثنين و الخمسين، و زاد عليها بعض ما تركه السيد محسن و لم ينجزه. و هو يعد مجلدا يستدرك فيه على من توفي بعد وفاة العالم الجليل في أوائل العقد السادس.
ان الكتاب صدر ابان ما علينا ان نصدق انه يقظة الشيعة و صحوتهم و نهضتهم. فإذا بالصمت يسدل على العمل الكبير، و على الرجل الكبير.
و إذا بأحد الأصول يلقى بالحرج الشديد، و" الاصولية" أمهر من جعل من الحبة قبة، و يؤمل ان يحيل السكوت القبة حبة. الا ان تناول أصحاب الأصول، و غيرهم، للجبل الأميني (و المعذرة من صاحب الجبل) بالصمت و الحرج قرينة عليهم، و علينا كلنا، دامغة. فما غلبة" الصياح و الزعيق" على العبادة" الخالصة من شوب الكذب" الا جزاء الطريق التي شقها من وضع نفسه في آخر أعيان الشيعة، و شرع في كتابة سيرته حييا معتذرا قبل ان يحمل سيرته على سيرة الناس و رواية الاسفار و الطرقات مستقبلا بصفحاته حقا لا يعلم من اين يأتيه و لا باي وجوه يتصور. أ لم يستفق السيد، و كان ولدا مراهقا، على" العلم" إذ ساله شيخ زائر، بعد العشاء، كيف يعرب: (إذا قالت حذام فصدقوها ...)، فقال الولد: إذا ظرف متضمن معنى الشرط، فقال الضيف: بما ذا يتعلق، قال الولد: بقالت، فأجاب الشيخ و أستاذ الولد لاحقا: إذا مضافة إلى الجملة التي بعدها و المضاف اليه لا يعمل في المضاف يقول كاتب السيرة: لم يكن عندي جواب لكنني نشطت لطلب العلم و رغبت فيه.
لا ريب في ان رد عمل الأمين، أو فلسفته المضمرة، إلى علاقة المضاف اليه بالمضاف (ما علاقة التشيع باعيانه؟ و ما فعل الأعيان في التشيع؟ من صدر عن الآخر؟ و كيف؟) لا ريب في ان مثل هذا الرد غلو و تعسف و تحكم. الا ان رواية الخبر تصدر عن بناء، أو تتوسل ببناء، يمثل على أركان العمل الأميني: الظرف- الشرط، الظاهر- المعنى، المتعلق- المضاف، العجز عن الجواب- النشاط للطلب ... فنحدس، بعد ثلث قرن مضى