أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٢
و الواقع أن النقطة الأول من مختصر منهجه الاصلاحي الذي وضعه في دمشق، هي نقطة تعليمية. فقد ذكر أنه، حين ورد دمشق في أواخر سنة ١٣١٩ ه ١٩٠١ م وجد أمورا ثلاثة هي علة العلل، و لا بد في إصلاح المجتمع، من النظر في إصلاحها. و أول هذه الأمور" الأمية و الجهل المطبق، فقد وجدنا معظم الأطفال يبقون أميين بدون تعليم. و بعضهم يتعلمون القراءة و الكتابة في بعض الكتاتيب على الطراز القديم ..". «١»
نعتقد أن الفكرة الاصلاحية التعليمية للسيد الأمين، هي دينية في الأساس. فهو، بالاضافة إلى ملاحظته حول تردي الواقع التعليمي و التربوي لمعظم الأطفال في دمشق، كانت قد لفتته مسألة إصلاح أساليب و مناهج و كتب التعليم في النجف الأشرف، (المركز التعليمي الديني الأساسي للشيعة في العالم). كما سبق و شغلت قضية إصلاح الأزهر سلفه الشيخ محمد عبده في مصر.
و قد حاول السيد الأمين أن يطبق أفكاره الاصلاحية في التعليم الديني، و إصلاح النجف الأشرف، في المدرسة التي أنشاها في دمشق، و التي سميت المدرسة العلوية، و في مدرسة البنات (اليوسفية) كما سبق ذكره". «٢» حيث ذكر ظروف إنشاء هاتين المدرستين.
فقد كانت المدرسة العلوية، في أول أمرها، دارا عارية في دمشق، نقل إليها" كتاب المحلة"- على حد تعبيره-، «٣» ثم تطورت إلى أن أصبحت على" أتم نظام و أحسن انتظام ذات صفوف ثانوية و قسم داخلي، تفوق جميع مدارس دمشق التي من نوعها، بحسن تنظيمها و المحافظة فيها على التحلي بالأخلاق الإسلامية الفاضلة و نجاح طلابها في الامتحانات مائة بالمائة و أصبحت الطلاب تتهافت عليها من جميع الأحياء لما يرى أولياؤهم من تهذيب أخلاق أولادهم و نجاحهم حتى صار يضطرنا الحال أحيانا إلى رد طلبهم لضيق المكان فيلحون علينا و يصرون. و وضعنا لكل صف فيها كتابا للمحفوظات، و كتبا تسعة للعقائد، و الأحكام الشرعية من العبادات و المعاملات و المواريث و الحدود و الديات و تفسير عدة من الآيات القرآنية و قسم من الأخلاقيات. و طبعت هذه الكتب و انتشرت في باقي المدارس و عم نفعها و ترجمت إلى الفارسية". «٤»
و الواقع أن منهجه النظري في إصلاح النجف الأشرف، قد حاول تطبيقه على الذكور و الإناث في" المدرسة العلوية" و" المدرسة اليوسفية" على حد سواء. فتخرج من المدرسة العلوية" عدد غير قليل من رجال سوريا و لبنان و شبابه المثقف" «٥» فقد" لاحظ ما يكابد شداة العلم من الغموض و التعقيد الملحوظ في كتب الدراسة القديمة في الفقه و الأصول و في غير ذلك من العلوم فتركها و شأنها. و وضع بنفسه و بمفرده كتبا حديثة سهلة التناول يعول عليها طلاب مدارسه في دمشق و غيرها إلى اليوم ..". «٦»
و يروي الشيخ محمد رضا الشبيبي في مقال له عن السيد الأمين أنه ثار أمامه مرة على" أحد الأساتذة الجامدين الذين يقدسون طريقة القدامى و يحرصون على أن لا تمس، و أن تبقى كتبهم على ما هي عليه. قائلا: لما ذا نحذو حذو الأقدمين، هم رجال و نحن رجال. و كان ذلك سنة ١٩٢٠ في مجلسنا بدمشق الشام". «٧»
و قد لاحظ السيد محسن الأمين ما يشوب كتب التدريس في النجف الأشرف، و في سواها من مدارس دمشق و جبل عامل، من أمور مضرة، من" عدم تهذيبها و تنقيحها، و تحسين عباراتها، و حذف الفضول منها، و حذف ما هو من علوم أخرى لم يتعلمها الطالب بعد أو لا يتعلمها أصلا .." «٨»
" .. و هذه كتب الأصول المتداول قراءتها كالمعالم و القوانين و الرسائل و الكفاية، محتاجة إلى التهذيب .. و القوانين من عجمة عباراتها و استغلاق كثير منها لا تصلح للتدريس و تحتاج إلى التهذيب .. و الرسائل .. محتاجة إلى التهذيب، بحذف بعض الاطالات أو اختصارها .." «٩» .. فعزم على استبدالها بسواها، مقترحا إنشاء لجنة للتاليف تتكون من" أفاضل العلماء بينهم العريقون في علم العربية، فتضع في كل علم ثلاثة كتب مختصر و متوسط و مطول .... تنتقى من هذه المؤلفات الشهيرة و يكون عليها مدار التدريس في مدرسة النجف الأشرف الكبرى، و تتبعها سائر المدارس في أقطار البلاد .. بعد أن تعرض هذه الكتب على أنظار كبار العلماء و يرضوا بها، و يقرروا تدريسها". «١٠»
ذلك أن طريقة التدريس المتبعة في النجف الأشرف كانت دون ضوابط، سواء من حيث حلقات التدريس أو الكتب المدرسية، أو الأساتذة الذين يتلقى عليهم الطلاب الدروس،" فالطالب فيها يقرأ أنى شاء و في أي كتاب شاء و عند من شاء" «١١» على حد تعبيره. لذلك، فإنه، بالاضافة إلى اقتراحه تنقيح و توحيد كتب الدراسة، اقترح تقسيم الطلاب على صفوف، و تدريسهم مناهج و كتبا محددة، و قبولهم في صفوفهم بناء على امتحانات قبول، و إجراء امتحانات فصلية لهم، مرة كل ثلاثة أشهر، على أن يجري امتحان نهائي لهم في نهاية كل عام، يتم بموجبة نقلهم من كتاب إلى كتاب، و من علم إلى علم.
و قد ركز السيد الأمين، في مناهجه التعليمية، على وجوب تدريس علم الأخلاق، و آداب التعليم و التعلم، و اقترح إجبار كل مدرس بتعليم كتاب مثل" منية المريد في آداب المفيد و المستفيد" للشهيد الثاني. «١٢»
كما أنه أدخل العلوم الحديثة على مناهج التدريس في المدرسة العلوية، و تعليم اللغات الأجنبية،" و كان أساتذة المدرسة من جميع رجال الطوائف ... و المثال أن معلمي الدروس الصرفية و النحوية كانوا من السنة و الشيعة و كان المدرس للغة الافرنسية مسيحيا يسمى الأستاذ شاكر و كان مدرس اللغة التركية سنيا اسمه علي أفندي و مدرس تحسين الخط الأستاذ ممدوح الخطاط المعروف". «١٣»