نوادر المعجزات في مناقب الأئمة الهداة(ع) - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٢٩ - مع القرآن الكريم المعجزة الخالدة
اتّضح أنّ ألف شهر هي مدّة ملك بني أميّة بتفسير الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) نفسه لا غير، و لو لا ذلك لما عرفنا، و هذا يوقفنا على بعد آخر من أبعاد بناء الإعجاز، فيبدو أنّ الإعجاز عنصر من عناصر بناء نفس النبوّة لا القرآن فقط، أو هما متلازمان بلا انفكاك؛ أي ما كان دخيلا في بناء القرآن من الإعجاز هو كذلك دخيل في بناء النبوّة بلا أدنى ترديد.
و من هذا القبيل قوله تعالى: الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ الروم [١] ففي هذه الآيات المباركة يتّضح ما ذكرناه من تلك الملازمة؛ فالقرآن إذا كان معجزة هذا الدين القيّم، فهو في نفس الوقت معجزة خاتم الأنبياء و المرسلين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و بجميع الأحوال فمثل هذا الغيب يحقّق مصداقين، الأوّل: لنفس القرآن، و الثاني: لنفس النبوّة.
و في الحقيقة إنّ في الإعجاز القرآني و المعجزة القرآنيّة أغراضا أخرى تتعدّى تحقيق المصداقيّة للنبوّة و الدين، و هذا أمر غفل عنه مفسّروا هذه الأمّة،- شيعة و سنّة-، أو لم يذكروه على أنّه غرض مهم، و هو تحقيق المصداقيّة لأمر ثالث و رابع إلى ما لا يحصى، و من هذه الأمور هو استحقاق خلافة النبوّة، فمن المعلوم أنّ مثل هذا الاستحقاق لا ينهض بأعبائه إلّا من كان محيطا بألغاز القرآن، و قادرا على فكّ رموزه السماويّة، فليس من المعقول أن نفضّل من كان جاهلا بهذه الأولويّات على من كان عالما بها، و هذا هو الخليفة أبو بكر افتضح أمره لمّا أراد أن يحوز قصب
[١] سورة الروم: ١- ٦.