موسوعة كربلاء - لبيب بيضون - الصفحة ٦٧٤ - ٨٢٧- مقاصد الإمام الحسين
عليهم، فوقف في ذلك الملأ المغمور بالأضاليل، و نادى بحيث يعي الجماهير حجته، فعرّفهم أولا خسارة هذه الدنيا الفانية لمن تقلّب فيها، فلا تعود عليهم إلا بالخيبة، ثم تراجع ثانيا إلى التعريف بمنزلته من نبيّ الإسلام، و شهادته له و لأخيه المجتبى بأنهما سيدا شباب أهل الجنة، و ناهيك بشهادة من لا ينطق عن الهوى، و كان محبوّا بالوحي الإلهي، أن تؤخذ ميزانا للتمييز بين الحق و الباطل. و في الثالثة عرّفهم بأنه يؤدي كل ما لهم عنده من مال و حرمات، و في الرابعة نشر المصحف الكريم على رأسه و دعاهم إلى حكمه. و حتى إذا لم تجد هذه النصائح القيّمة فيهم، و وضح لديه إصرارهم على الغي و العناد لله تعالى و لرسوله (صلى الله عليه و آله و سلم)، كشف الستار عن الإباء العلوي، الّذي انحنت عليه أضالعه، و رفع الحجاب عن الأنفة التي كان أبناء علي (عليه السلام) يتدارسونها ليلا و نهارا، و تلهج بها أنديتهم. فقال (صلى الله عليه و آله و سلم):
«ألا و إن الدّعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين: بين السّلةّ و الذلّة، و هيهات منا الذلّة، يأبى اللّه لنا ذلك و رسوله و المؤمنون، و جدود طابت، و حجور طهرت، و أنوف حميّة، و نفوس أبيّة، من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام. ألا و إني زاحف بهذه الأسرة عليقلة العدد و خذلان الناصر».
هذه وصايا الشريعة المطهرة و أحكامها الباعثة على الدعوة إلى الحق و النهضة لسدّ باب الباطل، و كما ألزمت جهاد المضلين المشركين، أباحت ترك الجهاد للصبي و المقعد و الأعمى و الشيخ الكبير و المرأة و البالغ الّذي لم يأذن له أبواه. لكن مشهد (الطف) خرق ناموسها الأكبر و جاز تلك المقررات جريا على المصالح و الأسرار التي قصرت عنها أحلام البشر، و قد تلقّاها (أبيّ الضيم) (عليه السلام)، من جده المنقذ الأكبر و أبيه الوصيّ المقدّم. فالحسين (عليه السلام) لم يشرّع سنّة أخرى في الجهاد، و إنما هو درس إلهي أثبته اللوح الأقدس في عالم الإبداع، محدد الظرف و المكان، تلقّاه الأمين جبرئيل و أفاضه على حبيب اللّه و صفيه (محمّد) (صلى الله عليه و آله و سلم)، فأودعه صاحب الدعوة الإلهية عند ولده سيد الشهداء (عليه السلام). (عليه السلام).
فكل ما يشاهد في ذلك المشهد الدامي من الغرائب التي تنحسر عن الوصول إلى كنهها عقول الرجال، فهو مما آثر المولى سبحانه به وليه و حجته أبا عبد اللّه الحسين (صلى الله عليه و آله و سلم).