موسوعة كربلاء - لبيب بيضون - الصفحة ٢٩٣ - ٢٩٦- أسرار شهادة الحسين
في ذلك الزمان، لو كان يطلب قوة و استعدادا لأمكنه أن يخرج إلى حرب يزيد جيشا جرارا، و لكنه لو صنع ذلك لكان قتله في سبيل السلطة و الإمارة، و لم يفز (بالمظلومية) التي انتجت تلك الثورة العظيمة. هذا هو الذي جعله لا يبقي معه إلا الذين لا يمكن انفكاكهم عنه، كأولاده و إخوانه و بني أخوته و بني أعمامه و جماعة من خواص أصحابه، حتى أنه أمر هؤلاء أيضا بمفارقته، و لكنهم أبوا عليه ذلك، و هؤلاء أيضا كانوا من المعروفين بين المسلمين بجلالة القدر و عظم المنزلة و قتلهم معه مما يزيد في عظم المصيبة و أثر الوقعة. نعم إن الحسين (عليه السلام) بمبلغ علمه و حسن سياسته بذل كمال جهده في إفشاء ظلم بني أمية و إظهار عداوتهم لبني هاشم و سلك في ذلك كل طريق.
و لما كان يعلم الحسين (عليه السلام) عداوة بني أمية له و لبني هاشم، و يعرف أنهم بعد قتله يأسرون عياله و أطفاله- و ذلك يؤيد مقصده و يكون له أثر عظيم في قلوب المسلمين سيما العرب كما قد وقع- حملهم معه و جاء بهم من المدينة.
نعم إن ظلم بني أمية و قساوة قلوبهم في معاملاتهم مع حرم محمد و صباياه أثّر في قلوب المسلمين تأثيرا عظيما لا ينقص عن أثر قتله و أصحابه. و لقد أظهر في عمله هذا عقيدة بني أمية في الإسلام و سلوكهم مع المسلمين سيما ذراري نبيهم. لهذا كان الحسين يقول في جواب أصحابه و الذين كانوا يمنعونه عن هذا السفر: «إني أمضي إلى القتل» و لما كانت أفكار المانعين محدودة و أنظارهم قاصرة لا يدركون مقاصد الحسين (عليه السلام) العالية، لم يألوا جهدهم في منعه، و آخر ما أجابهم به أن قال لهم «شاء اللّه ذلك و جدي أمرني به». فقالوا إن كنت تمضي إلى القتل فما وجه حملك النسوة و الأطفال، فقال: «إن اللّه شاء أن يراهن سبايا». و لما كان الحسين بينهم رئيسا روحانيا لم يكن لهم بدّ من السكوت.
و مما يدل على أنه لم يكن له غرض إلا ذلك المقصد العالي الذي كان في نفسه، و لم يتحمل تلك المصائب لسلطنة و إمارة و لم يقدم على هذا الخطر من غير علم و دارية- كما تصوره بعض المؤرخين منا- أنه قال لبعض ذوي النباهة قبل الواقعة بأعوام كثيرة، على سبيل السلوة: إنه بعد قتلي و ظهور تلك المصائب المحزنة، يبعث اللّه رجالا يعرفون الحق من الباطل، يزورون قبورنا، و يبكون على مصابنا، و يأخذون بثأرنا من أعدائنا، أولئك جماعة ينشرون دين اللّه و شريعة جدي، و أنا و جدي نحبهم و هو يحشرون معنا يوم القيامة. و ليتأمل المتأمل في كلام