موسوعة كربلاء - لبيب بيضون - الصفحة ٢٩٢ - ٢٩٦- أسرار شهادة الحسين
أمية في مقاصدهم و استيلائهم على جميع طبقات الناس و تزلزل المسلمين، أن الحسين قد أحيا بقتله دين جده و قوانين الإسلام. و لو لم تقع تلك الواقعة، و لم تظهر تلك الحسّيات الصادقة بين المسلمين لأجل قتل الحسين، لم يكن الإسلام على ماهو عليه الآن قطعا، بل كان من الممكن ضياع رسومه و قوانينه حيث كان يومئذ حديث العهد.
عزم الحسين (عليه السلام) على إنجاح هذا المقصد و إعلان الثورة ضد بني أمية من يوم توفي والده، فلما قام يزيد مقام معاوية خرج الحسين (عليه السلام) من المدينة، و كان يظهر مقصده العالي، و يبث روح الثورة في المراكز الإسلامية المهمة كمكة و العراق و أينما حل، فازدادت نفرة قلوب المسلمين، التي هي مقدمة الثورة على بني أمية، و لم يكن يجهل يزيد مقاصد الحسين (عليه السلام)، و كان يعلم أن الثورة إذا أعلنت في جهة و الحسين قائدها مع تنفر المسلمين عموما من حكومة بني أمية و ميل القلوب و توجه الانظار إلى الحسين (عليه السلام)، عمّت جميع البلدان، و في ذلك زوال ملكهم و سلطانهم، فعزم يزيد قبل كل شيء من يوم بويع على قتل الحسين (عليه السلام). و لقد كان هذا أعظم خطأ سياسي صدر من بني أمية، فجعلهم نسيا منسيا و لم يبق منهم أثر و لا خبر.
و أعظم الأدلة على أن الحسين (عليه السلام) أقدم على قتل نفسه و لم تكن من غرضه سلطنة و لا رئاسة، هو أنه مضافا إلى ما كان عليه من العلم و السياسة و التجربة التي وقف عليها زمن أبيه و أخيه في قتال بني أمية، كان يعلم أنه مع عدم تهيئة الأسباب له و اقتدار يزيد، لا يمكنه المقاومة و الغلبة.
و كان يقول من يوم توفي والده إنه يقتل و أعلن يوم خروجه من المدينة أنه يمضي إلى القتل، و أظهر ذلك لأصحابه و الذين أتبعوه من باب إتمام الحجة، حتى يتفرق الذين التفوا حوله طمعا بالدنيا، و طالما كان يقول «و خير لي مصرع أنا لاقيه». و لو لم يكن قصده ذلك و لم يكن عالما عامدا، لجمع الجنود و لسعى في تكثير أصحابه و زيادة استعداده، لا أن يفرق الذين كانوا معه. و لكن لما لم يكن له قصد إلا القتل مقدمة لذلك المقصد العالي، و إعلان الثورة المقدسة ضد يزيد، رأى أن خير الوسائل إلى ذلك (الانفراد و المظلومية)، فإنّ أثر هذه المصائب أشد و أكثر في القلوب.
من الظاهر أن الحسين (عليه السلام) مع ما كانت له من المحبوبية في قلوب المسلمين