موسوعة كربلاء - لبيب بيضون - الصفحة ٢٠٣ - ١٧٧- مقارنة بين محنة النبي يحيى و محنة الإمام الحسين
و اختباره ... فها هو ابراهيم (عليه السلام) يبلغ من الكبر عتيا و قد رزقه اللّه اسماعيل، و ما كاد يفرح به و تقرّ به عينه، حتى أمره سبحانه بذبحه، فامتثل أمره و امتثل ابنه أمره أيضا، و كاد يذبح إسماعيل لو لا أن فداه اللّه بذبح عظيم. قال تعالى في سورة الصافات: وَ قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَما وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَ نادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧). و الذبح العظيم هو الحسين (عليه السلام).
و ها هو زكريا (عليه السلام) يحرم الولد و النسل حتى إذا أدركه الكبر دعا ربه مخلصا، فرزقه اللّه من زوجته العاقر ولدا اسمه (يحيى) تقر به عينه و يرثه من بعده. حتى إذا شب يافعا اختاره اللّه إلى جواره مذبوحا مقتولا.
و ها هو النبي الكريم محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) خاتم الأنبياء و المرسلين، يختم حياته بامتحان عظيم و قد حرمه اللّه الولد و النسل إلا من ابنته الزهراء (عليها السلام)، فشاء سبحانه في سابق قضائه و تقديره أن يرى حفيده الحسين مقتولا مذبوحا في أرض كربلاء، هو و جميع أهل بيته ما عدا الإمام زين العابدين (عليه السلام)، و أن يرى حرمه و رهطه مشردين و أطفاله صرعى و نساءه سبايا مقيدات بالأصفاد.
و من التشابه العجيب بين محنة يحيى (عليه السلام) و محنة الحسين (عليه السلام) أن يحيى قضى مذبوحا و أخذ رأسه فقدم مهرا لبغيّ من بغايا بني إسرائيل، تماما كما قضى الحسين (عليه السلام) مذبوحا و حمل رأسه لأبغى رجل من آل أبي سفيان و هو يزيد بن معاوية. و هذا مفاد قول الحسين (عليه السلام): «من هوان الدنيا على اللّه أن يؤتى برأس يحيى بن زكريا إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل، و الرأس ينطق بالحجة عليهم، فلم يضر ذلك يحيى». يومي بذلك (عليه السلام) إلى ما سيؤول إليه حاله من قتله و قطع رأسه و حمله إلى أشقى أهل الأرض، و كيف أن رأسه الشريف سينطق بالحق و يسمع و يجيب، تماما كما حدث ليحيى بن زكريا، و ذلك أن رأس الحسين (عليه السلام) كان يقرأ و هو على رمح طويل في الكوفة قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) [الكهف: ٩].
هذا مع أن محنة الحسين (عليه السلام) لا تقارن في وطأتها مع محنة يحيى (عليه السلام) فيحيى قتل وحده، و الحسين قتل معه من أهل بيته سبعة عشر رجلا ما لهم على وجه الأرض