موسوعة كربلاء - لبيب بيضون - الصفحة ٢٩٤ - ٢٩٦- أسرار شهادة الحسين
الحسين (عليه السلام) و حركاته يرى أنه لم يترك طريقا من السياسة إلا سلكه في إظهار شنائع بني أمية و عداوتهم القلبية لبني هاشم و مظلومية نفسه، و هذا مما يدل على حسن سياسته و قوة قلبه و تضحية نفسه، في طريق الوصول إلى المقصد الذي كان في نظره، حتى أنه في آخر ساعات حياته عمل عملا حير عقول الفلاسفة، و لم يصرف نظره عن ذلك المقصد العالي مع تلك المصائب المحزنة و الهموم المتراكمة و كثرة العطش و الجراحات، و هو قصة (عبد اللّه الرضيع). فلما كان الحسين (عليه السلام) يعلم أن بني أمية لا يرحمون له صغيرا رفع طفله الصغير تعظيما للمصيبة على يده أمام القوم و طلب منهم أن يأتوه بشربة من الماء فلم يجيبوه إلا بالسهم.
و يغلب على الظن أن غرض الحسين (عليه السلام) من هذا العمل تفهيم العالم بشدة عداوة بني أمية لبني هاشم و أنها إلى أي درجة بلغت. و لا يظن أحد أن يزيد كان مجبورا على تلك الأعمال المفجعة لأجل الدفاع عن نفسه، لأن قتل الطفل الرضيع في تلك الحال بتلك الكيفية، ليس هو إلا توحش و عداوة سبعية، منافية لقواعد كل دين و شريعة، و يمكن أن تكون هذه الفاجعة كافية لافتضاح بني أمية و رفع الستار عن قبائح أعمالهم و نياتهم السيئة بين العالم، سيما المسلمين، و أنهم يخالفون الإسلام في حركاتهم بل يسعون بعصبية جاهلية إلى إبادة آل محمد و جعلهم أيدي سبأ.
و نظرا لتلك المقاصد العالية التي كانت في نظر الحسين (عليه السلام) مضافا إلى وفور علمه و سياسته التي كان لا يشك فيها اثنان لم يرتكب أمرا يوجب إجبار بني أمية للدفاع عن أنفسهم، حتى أنه مع ذلك النفوذ و الاقتدار الذي كان له في ذلك العصر لم يسع في تسخير البلاد الإسلامية و ضمها إليه و لا هاجم ولاية من ولايات يزيد إلى أن حاصروه في واد غير ذي زرع، قبل أن تبدو منه أقل حركة عدائية أو تظهر منه ثورة ضد بني أمية ... لم يقل الحسين (عليه السلام) سأكون ملكا أو سلطانا أو أصبح صاحب سلطة. نعم كان يبث روح الثورة في المسلمين بنشره شنائع بني أمية و اضمحلال الدين إن دام ذلك الحال، و كان يخبر بقتله و مظلوميته و هو مسرور. و لما حوصر في تلك الأرض القفراء أظهر لهم من باب إتمام الحجة بأنهم لو تركوه لرحل بعياله و أطفاله و خرج من سلطة يزيد، و لقد كان لهذا الإظهار الدال على سلامة نفس الحسين (عليه السلام) في قلوب المسلمين غاية التأثير.
لقد قتل قبل الحسين (عليه السلام) ظلما و عدوانا كثير من الرؤساء الروحانيين و أرباب