موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ٣١٢ - زيارة المس بيل قبل الحرب العظمى
الطريق لتروي غليلها الصدىء الذي التهب سعيره حينما عبرت البادية الى هنا من حلب. و كانت تتكوم مع أكوام البرتقال و الليمون أكوام الورد الارجواني، الذي كان يأخذ منه المارة بين آن و آخر حفنات يشمّونها في سيرهم.
و حينما خيّم الليل بظلامه في يوم من الأيام دعيت إلى وليمة عشاء فاخرة أكلت فيها القوزي المحشي بالفستق، و شربت الشربت بالملاعق الخشبية الكبيرة. ثم استمعت إلى ما قصه عليها الحاضرون من حديث السياسة و أحوالها في تلك الأيام كما تقول. و كان ذلك الحديث على ما يظهر يمت بصلة إلى الروحية الجديدة التي انبعثت في أطراف الامبراطورية العثمانية و أجزائها على أثر حصول الانقلاب العثماني (١٩٠٨) و اعلان المشروطية.
فقد حدثها أحد الحاضرين يقول ان الولايات العراقية لا يستسيغ فيها الناس وجود حكومة دستورية، لأن الملاكين رجعيون في قلوبهم كلهم، و قد جمعوا ما حصلوا عليه من ثروة و مال بالقوة و الغصب. و لذلك لا يمكن ان يتحملوا من يحاسبهم على ما امتلكوه بتلك الكيفية، و يكرهون ما يوجه اليهم من نقد و ملاحظات صريحة على صفحات الجرائد. يضاف إلى ذلك ان أكثرية موظفي الحكومة كانوا على شاكلة هؤلاء أيضا. و لا يخفى ان القضاء على الفساد بين هؤلاء كان يعني جوعهم بطبيعة الحال، ما لم تتخذ التدابير لزيادة رواتبهم في مقابل ذلك. فان الحاكم (القائمقام) مثلا كان يعين لمدة سنتين و نصف فقط، و كان يتقاضى خلال هذه المدة راتبا قدره خمس عشرة ليرة تركية في الشهر، و هذا المبلغ لم يكن من الممكن له ان يتعيش به هو و أسرته في ظروف ينبغي له ان يحافظ فيها على مركزه و منزلته. أضف إلى ذلك انه كان يتحتم عليه أن يداري مرؤوسيه ليستفيد منهم في تجديد تعيينه حينما تنتهي المدة المضروبة له... و لذلك فان