مورد الأنام في شرح شرائع الإسلام - كاشف الغطاء، الشيخ مهدي - الصفحة ٦١ - تنبيه
اغلب ما فيها إن الاحسن في الجمع بين كلماتهم أن يكون الإحياء هو الجزء الاخير من العلة الباعثة على قابلية الانتفاع في الأرض في الجملة و ما قبل ذلك من الاجزاء إنما هو من افراد التحجير و المعدات للإحياء و ليس هو من افراد الإحياء حقيقة و باب المجاز مفتوح و ما يمتنع من عبارات الاصحاب ارجاعه إلى ذلك فالمتجه انكاره و منعه بأنه مخالف للعرف و اللغة.
و لعل من ذلك القول الذي نسبه المصنف إلى بعض اهل عصره فقال: (و من فقهائنا الآن من يسمي التحجير احياء و هو بعيد) و هو شيخه الفقيه نجيب الدين ابن نما كما نص عليه كثير منهم من إن التحجير احياء مفيد للملك و هو المنسوب إلى بعض الشافعية لخروجه بالشروع في احيائه عن حد الموات، و من ثمّ اقاربه حقا في الجملة اجماعا و الإحياء غير منضبط شرعا و لا عرفا كذا قيل. و فيه: أنه إن اراد إن بعض ما يسمى تحجيرا عند بعضهم كإحاطة الحائط على الأرض و نحوه هو احياء عرفا فذلك غير بعيد لأنها قد خرجت بذلك عن الموات إلى الانتفاع بها في الجملة.
و في المسالك: إنه قد وافق الجماعة على إن الأرض إذا كانت غير مستأجمة و لا مشتملة على مانع و لا مفتقرة إلى السقي بالماء المحتلب يكفي تميز المحيي عن غيره بتراب و نحوه في تحقق الإحياء و هذا اضعف افراد التحجير و لعل مراد ابن نما (رحمه الله) كما حمله عليه الشهيد في الدروس و غيره، و قد قيل عليه: إن مقل هذه الأرض يصدق عليها إنها حية غير موات و التراب المزبور و نحوه إنما هو لتميز ما يريد زرعه عن غيره لا لأنه احياء للموات لأنه لا دخل فيه لا عرفا و لا لغة و لعل انكاره نوع من المكابرة، و تكثير الكلام هنا بنقل العبائر تطويل بلا طائل بعد كون المرجع المحكم في امثال ذلك إنما هو العرف.
هذا و عن الفاضل في القواعد: إنه لو نزل منزلا فنصب فيه خيمة أو بيت شعر لم يكن احياء و لكن يصير اولى به إلى أن يرحل عنه و كذا ما حواليه مما يحتاج اليه للارتفاق و لا يزاحم في الوادي الذي تسرح فيه ماشيته إلا أن تنفصل عنه و إن ارتحل عنه بطل الاختصاص و إن بقيت آثار الخيم و الفساطيط. إلى غير ذلك من كلماتهم التي لا تخلو اغلبها من نظر فتدبر و اللّه تعالى هو العالم.
تنبيه:
قد عرفت فيما مر إن ظاهر المشهور إن التحجير إنما يفيد الاولوية و إن الإحياء يفيد ملكا للرقبة، و عن ظاهر المهذب بل و عن كثير من العبارات أما هو مخالف لظاهر المشهور فمنها إنهما يفيدان الاولوية و منها إنهما معا يفيدان الملك، و لعل كلام ابن نما محمول على الثاني و لكن الامر سهل في ذلك خصوصا بعد عدم العثور على عبارته حتى يجزم بالمراد منها و اللّه تعالى هو العالم بحقيقة الحال.