مسند الإمام الهادي أبي الحسن علي بن محمد(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٥٣ - ٥- باب ما جرى بينه
قال يحيى: فذهبت الى المدينة فلما دخلتها ضج أهلها ضجيجا عظيما ما سمع الناس بمثله خوفا على علي و قامت الدنيا على ساق لأنه كان محسنا إليهم ملازما للمسجد لم يكن عنده ميل الى الدنيا. قال يحيى: فجعلت اسكنهم و أحلف لهم اني لم أومر فيه بمكروه و انه لا بأس عليه، ثم فتشت منزله فلم أجد فيه إلا مصاحف و ادعية و كتب العلم فعظم في عيني و توليت خدمته بنفسي و احسنت عشرته.
فلما قدمت به بغداد بدأت باسحاق بن ابراهيم الطاهري و كان واليا على بغداد، فقال لي: يا يحيى ان هذا الرجل قد ولده رسول اللّه و المتوكل من تعلم فان حرّضته عليه قتله و كان رسول اللّه خصمك يوم القيامة، فقلت له: و اللّه ما وقعت منه إلا على كل أمر جميل.
ثم صرت به إلى سر من رأى فبدأت بوصيف التركي فاخبرته بوصوله، فقال:
و اللّه لئن سقط منه شعرة لا يطالب بها سواك. قال: فعجبت كيف وافق قوله قول اسحاق، فلما دخلت على المتوكل سألني عنه فأخبرته بحسن سيرته و سلامة طريقه و ورعه و زهادته و اني فتشت داره فلم اجد فيها غير المصاحف و كتب العلم و ان أهل المدينة خافوا عليه فأكرمه المتوكل و أحسن جايزته و أجزل بره و أنزله معه سر من رأى. (١)
٣١- عنه، قال: قال يحيى بن هرثمة: فاتفق مرض المتوكل بعد ذلك بمدة فنذر ان عوفي ليتصدقن بدراهم كثيرة فعوفي فسأل الفقهاء عن ذلك فلم يجد عندهم فرجا فبعث الى علي فسأله. فقال: يتصدق بثلاثة و ثمانين دينارا. فقال المتوكل: من أين لك هذا؟ فقال من قوله تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ.
و المواطن الكثيرة هي هذه، و ذلك لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) غزى سبعا و عشرين غزاة و بعث خمسا و ستين سرية و آخر غزواته يوم حنين. فعجب المتوكل و الفقهاء من هذا الجواب و بعث إليه بمال كثير. فقال على هذا الواجب فتصدق أنت
(١) تذكرة الخواص: ٣٥٩