مسند الإمام الهادي أبي الحسن علي بن محمد(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٢٠٥ - رسالته
يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ: تعالى اللّه عمّا يدين به أهل التّفويض علوّا كبيرا.
لكن نقول: إنّ اللّه جلّ و عزّ خلق الخلق بقدرته، و ملّكهم استطاعة تعبّدهم بها، فأمرهم و نهاهم بما أراد فقبل منهم اتّباع أمره و رضي بذلك لهم. و نهاهم عن معصيته و ذمّ من عصاه و عاقبه عليها و للّه الخيرة في الأمر و النّهي، يختار ما يريد و يأمر به و ينهى عمّا يكره و يعاقب عليه بالاستطاعة الّتي ملّكها عباده لاتّباع أمره و اجتناب معاصيه، لأنّه ظاهر العدل و النّصفة و الحكمة البالغة.
بالغ الحجّة بالإعذار و الانذار و إليه الصّفوة يصطفي من عباده من يشاء لتبليغ رسالته و احتجاجه على عباده اصطفى محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) و بعثه برسالاته إلى خلقه، فقال من قال من كفّار قومه حسدا و استكبارا: «لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» يعني بذلك اميّة بن أبي الصّلت و أبا مسعود الثّقفيّ، فأبطل اللّه اختيارهم و لم يجز لهم آراءهم حيث يقول:
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ. و لذلك اختار من الامور ما أحبّ و نهى عمّا كره، فمن أطاعه أثابه. و من عصاه عاقبه و لو فوّض اختيار أمره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار أميّة بن أبي الصّلت و أبي مسعود الثّقفيّ، إذ كانا عندهم أفضل من محمّد (صلّى اللّه عليه و آله).
فلمّا أدّب اللّه المؤمنين بقوله: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، فلم يجز لهم الاختيار بأهوائهم و لم يقبل منهم إلا اتّباع امره و اجتناب نهيه على يدي من اصطفاه، فمن اطاعه رشد و من عصاه ضلّ و غوى و لزمته الحجّة بما ملّكه من الاستطاعة لاتّباع أمره و اجتناب نهيه، فمن أجل ذلك حرمه ثوابه و أنزل به عقابه.
و هذا القول بين القولين ليس بجبر و لا تفويض و بذلك أخبر أمير المؤمنين صلوات