مسند الإمام الهادي أبي الحسن علي بن محمد(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٢٠٩ - رسالته
الفضل و أنا مفسّرها بشواهد من القرآن و البيان إن شاء اللّه.
أمّا قول الصّادق (عليه السلام) فإنّ معناه كمال الخلق للانسان و كمال الحواسّ و ثبات العقل و التّمييز و إطلاق اللّسان بالنّطق؛ و ذلك قول اللّه: وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا. فقد أخبر عزّ و جلّ عن تفضيله بني آدم على سائر خلقه من البهائم و السّباع و دوابّ البحر و الطّير و كلّ ذي حركة تدركه حواسّ بني آدم بتمييز العقل و النّطق؛ و ذلك قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.
و قوله: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ. و في آيات كثيرة فأوّل نعمة اللّه على الإنسان صحّة عقله و تفضيله على كثير من خلقه بكمال العقل و تمييز البيان، و ذلك أنّ كلّ ذي حركة على بسيط الأرض هو قائم بنفسه بحواسّه، مستكمل في ذاته.
ففضّل بني آدم بالنّطق الّذي ليس في غيره من الخلق المدرك بالحواسّ، فمن أجل النّطق ملّك اللّه ابن آدم غيره من الخلق حتّى صار آمرا ناهيا و غيره مسخّر له كمال قال اللّه: كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ. و قال: وَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها.
و قال: «وَ الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَ مَنافِعُ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ وَ لَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ وَ تَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ». فمن أجل ذلك دعا اللّه الإنسان إلى اتّباع أمره و إلى طاعته بتفضيله إيّاه باستواء الخلق و كمال النّطق و المعرفة بعد أن ملّكهم استطاعة ما كان تعبّدهم به بقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَ اسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا. و قوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها. و قوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها؛ و في آيات كثيرة.
فإذا سلب من العبد حاسّة من حواسّه رفع العمل عنه بحاسّته كقوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ- الآية- فقد رفع عن كلّ من كان بهذه