مسند الإمام الهادي أبي الحسن علي بن محمد(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٥٢ - ٥- باب ما جرى بينه
و المتوكل يشرب و في يده كأس، فلما رآه أعظمه و أجلسه إلى جنبه، و لم يكن في منزله شيء ما قيل فيه، و لا حالة يتعلل عليه بها، فناوله المتوكل الكأس الذي في يده، فقال: يا أمير المؤمنين، ما خامر لحمي و دمي قط، فاعفني منه، فعافاه، و قال: أنشدني [شعرا أستحسنه، فقال: إني لقليل الرواية للأشعار، فقال: لا بد أن تنشدني] فأنشده:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * * * غلب الرجال فما أغنتهم القلل
و استنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم * * * فأودعوا حفرا، يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا * * * أين الأسرة و التيجان و الحلل؟
أين الوجوه التي كانت منعمة * * * من دونها تضرب الأستار و الكلل؟
فأفصح القبر عنهم حين سائلهم * * * تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طالما أكلوا دهرا و ما شربوا * * * فأصبحوا بعد طول الأكل قد اكلوا
و طالما عمروا دورا لتحصنهم * * * ففارقوا الدور و الأهلين و انتقلوا
و طالما كنزوا الأموال و ادخروا * * * فخلفوها على الأعداء و ارتحلوا
أضحت منازلهم قفرا معطلة * * * و ساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا
قال: فأشفق كل من حضر على علي، و ظن أن بادرة تبدر منه إليه، قال: و اللّه لقد بكى المتوكل بكاء طويلا حتى بلت دموعه لحيته، و بكى من حضره، ثم أمر برفع الشراب، ثم قال له: يا أبا الحسن، أ عليك دين؟ قال: نعم أربعة آلاف دينار، فأمر بدفعها إليه، و رده إلى منزله من ساعته مكرما. (١)
٣٠- قال ابن الجوزي: قال علماء السير: و انما اشخصه المتوكل من مدينة رسول اللّه الى بغداد لأن المتوكل كان يبغض عليا و ذريته فبلغه مقام علي بالمدينة و ميل الناس إليه فخاف منه فدعى يحيى بن هرثمة و قال: اذهب الى المدينة و انظر في حاله و أشخصه إلينا.
(١) مروج الذهب: ٤/ ٩٣.