أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ٣٩٣ - من هو
و قد حفظ القرآن الكريم و هو صبي، كما أخذ يتقن تفسيره، و يحفظ الأحاديث و السنّة من أوثق مصادرها عن آل البيت.
و كان عصر ذلك الإمام قد شهد التوتر و النزاعات السياسية التي راح ضحيتها العديد من آل البيت. كما كانت الدولة الأموية تضع العيون و الجواسيس على آل البيت منذ استشهاد الإمام الحسين، فقد كانت تضطهدهم، و تخشى أن ينهض واحد منهم لينتزع الخلافة.
و كان الإمام جعفر، منذ رأى بطش الحكّام بآل البيت و أنصارهم، و بالباحثين عن الحقيقة، و بمقاومي الاستبداد، قد أخذ بمبدإ التقية، فلم يجهر بالعداء لبني أمية؛ اتّقاء شرّهم، و حذر الفتنة. و رأى أنّ خير ما يقاوم به البغي هو الكلمة المضيئة التي تنير للناس طريق الهداية.
و كان قد اختار العراق مقاما له بعد ما ترك المدينة؛ أملا في توصيل علمه و أفكاره إلى قطاع عريض من المسلمين هناك، و للبلاد التي حولها.
و لكن هذه الأفكار لم ترق لخلفاء بني العباس ... فطلب منه الخليفة المنصور- و هو الخليفة الثاني من خلفاء الدولة العباسية- أن يغادر البلاد! فتركها و هو في سنّ الخامسة و الستين من عمره إلى المدينة ... حيث عاش حتّى مات و دفن هناك.
و قد اعتبره المؤرّخون إمام الشيعة و شيخ أهل السنّة، لما تركه وراءه من ثروة من الفقه و العلم و التأمّلات [١].
و إذا كان ما سبق و مرّ علينا من كلمات هي بحقّ تعبير عظيم عن إمام اجتهد كثيرا في اللّه، بما أوتي من علم و فقه حتّى صار أحد أئمة الفقه الإسلامي ...
[١]. و الحديث في هذا الموضوع يتطلّب المجلّدات، و لعلّ خير ما اختصر ذلك الأستاذ المستشار عبد الحليم الجندي في كتابه «الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام)» حيث أشار بعناية إلى نبوغ الإمام في زمانه، و مدرسته الكبرى، و أهم ملامح منهجه العلمي و الاقتصادي و الاجتماعي و ربما السياسي. و هو كتاب يجدر مطالعته بعد ما تمّ تحقيقه و طبعه و نشره بأجمل حلله على يد المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية.