أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ٢٨٢ - * لقطات من الماضي
بعيدات عن اللغو و التفاهة، و الهذر و فتنة الدنيا، التي لا تفتأ تغالب كلّ مجتمع، حتّى و لو كان مجتمعا يحكمه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، فما بال مجتمع أغرقته ثروات الفتوحات، و غزته الميول و الأهواء لتسحبه تدريجيا من طقس الجدّية و الالتزام، في عصر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و الراشدين، إلى ردّة الترف و الشعر العائد لمجون الجاهلية و خمرها، و مجالس القيّان و الخلاعة، و ثرثرة الأخباريّين و رواياتهم المختلقة أو الحقيقية عن نوادر البيوت و فضائحها.
*** أينما تلفّتت سكينة في تلك المرحلة- الآمنة نسبيا في حياتها العاصفة- لم تكن لترى في أبيها و عمّتها و إخوتها و أبناء عمومتها و أهلها إلّا سياجا نورانيا، يعتصم من فتنة الدنيا بمدارسة القرآن و الحديث، و الاعتكاف و التهجّد و التعبّد، و القنوت بالأدعية الخاشعة، التي ضمتها حافظة أهل البيت، مأثورات عن جدّهم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، أو إبداعا من دعاء قلوبهم الصافية، متوجّها في تسابيح للّه سبحانه و تعالى.
يكمل هذا الجوّ من البشر الإسلامي المحبّة و السكينة، التي كان الحسين يلمسها خاصّة عند زوجته الرباب، التي نادت طفلتها آمنة باسم «سكينة» عنوانا لبيتها مع الحسين الذي لم يجد حرجا في تحية أهله بأبيات تقول:
لعمري إنّني لأحبّ دارا* * * تكون بها سكينة و الرباب
أحبّهما و أبذل كلّ مالي* * * و ليس لعاتب عندي عتاب! [١]
و إذا كان الحسين قد ملكه كلّ هذا الحبّ لسكينة و أمّها، أ فلا يعني هذا، و هو إمام المسلمين، أنّه رآهما على خير ما يودّ أن يراه في نموذج الزوجة المسلمة، و الابنة المسلمة، و هو الذي «ما رئي إلّا عاكفا على العبادة و الجهاد ... جهادا مع النفس، و مع الباطل أينما كان» على حدّ قول الدكتورة بنت الشاطئ.
[١]. روى ابن كثير الأبيات في البداية ٨: ٢١١ نقلا عن الزبير بن بكّار باختلاف يسير.