أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ٢٣٣ - أخلاقها
و هذا أمير مصر السري بن الحكم، فقد ألحّ عليها إلحاحا شديدا في أن تنزل في دار له نزل عنها لها، فبعد لأي و جهد قبلت أن تنزل في تلك الدار التي وهبها إليها، و قد سرّه قبولها، و حمد اللّه تعالى على ذلك [١]، فهي من آل بيت لا يرضى ذووه أن يكون لأحد غير اللّه تعالى له عليهم نعمة و لا منّة؛ شمما و إباء نفس.
و هذا هو الأمير الذي بعث إليها بمائة ألف درهم، فلم تشأ أن تبيتها أو تدخرها، بل وزّعتها دون أن تبقي لها منها درهما.
و كانت السيدة نفيسة رضي اللّه عنها كثيرة البرّ و المواساة، عطوفة رحيمة، تحنو على القوم و تتّحد بهم، فتؤويهم إلى ظلّ رحمتها، و تمهّد لهم مهاد رأفتها.
و لم يكن عطفها على ذوي قرباها بأقلّ أثرا من ذلك، فكثيرا ما نالهم برّها و شملهم خيرها. فهذه بنت أخيها السيدة زينب قد لاقت من عمّتها من الحنان و الرأفة و الإحسان، ما جعلها تخلص الودّ إليها، و تتفانى في خدمتها، و تقوم لها بما تحتاجه من أمورها، فإنّ عمتها ملكت قلبها ببرّها و عطفها، حتّى وفت لها أربعين سنة، تنشط لخدمتها، و تسهر على حاجتها، دون سأم أو ملل [٢].
و كذلك أخلصت لها خادمتها «جوهرة» لما لمسته من عطف و حنان، فعاشت في كنفها مسرورة، تفديها بنفسها، و تسارع تلبية ندائها، و قضاء حاجتها.
و هؤلاء جيرانها و قد عرفوا برّها و عطفها، فكانوا يودّونها و يثقون بها، حتى أولئك الذين كانوا يخالفونها في دينها. فهذه جارتها اليهودية لم تأمن على وحيدتها غير الشريفة السيدة نفيسة، بالرغم من وجود جمهرة من اليهود أبناء شيعتها يجاورونها، غير أنّها لم تر فيهم أحدا موضع ثقتها فتودع عنده فلذة كبدها إلى أن تعود من حمامها، فلم تجد غير تلك الأمينة العطوفة، فتركتها عندها، فنالت من بركتها ممّا سيأتي في حينه.
[١]. خطط المقريزي ٤: ٣٢٧- ٣٢٨.
[٢]. المصدر السابق: ٣٢٥.