أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ١٧٦ - بيان الحقيقة واجب
و قد روي [١]: أنّ زكريا (عليه السّلام) لاذ من قاتليه بشجرة، فانفتحت له و دخل في جوفها، و لكنّ الطغاة البغاة أعملوا فيها بمناشيرهم حتّى نشروه و هو في داخلها، و شطروا جسمه شطرين، فلم ينقص ذلك من درجة الشهادة إلى جانب مرتبة النبوّة، فكان نبيّا و كان شهيدا، و حاق بالظلمة ما بين اللّه تعالى في قوله: وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ [البقرة: ٦١].
و قد وصف النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بعض ما تعرّض له المؤمنون من قبل، و ذلك حين جاء خباب بن الأرتّ يشكو إليه ما كان يعانيه هو و رفاقه من تنكيل كفّار قريش بهم، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): «اصبروا، فقد كان يؤتى بالرجل ممّن قبلكم، فينشر بمنشار من حديد من قمّة رأسه إلى أخمص قدمه، ما يصرفه ذلك عن دين اللّه» [٢].
و في القرآن الكريم إشارة إلى طوائف من المؤمنين بغى عليهم الكفّار، فحفروا لهم أخاديد في الأرض ملئوها نارا، ثم أخذوا يعرضون عليهم الارتداد عن الإسلام فيأبون، فيقذفون بهم في تلك الأخاديد، و يجلسون للتفرّج عليهم و هم يحترقون، و من هؤلاء: ابن ماشطة فرعون، فإنّه لمّا أراد فرعون أن يقذف به في النار، و خشيت عليه أمّه، أنطق اللّه تعالى لسانه و هو طفل رضيع، و قال لها: تقدّمي يا أمي و لا تتقاعسي، فإنّك على الحقّ، فتقدّمت و احترقت، و لم تستغرق عملية احتراقها إلّا لحظات قصيرة، من بعدها تفتّحت لها و لرضيعها أبواب الجنّة، ينعمان بقصورها و أنهارها، و أشجارها و ثمارها، و كلّ ما فيها.
فإذا كان الإمام الحسين رضي اللّه عنه و من معه من بني هاشم قد لاقوا ما لاقوا من بغي الباغين، و ظلم الظالمين، فإنّ ذلك لم يكن لهوان لهم على اللّه تعالى، إنّ اللّه تعالى
[١]. رواه ابن الأثير في تاريخه ١: ٣٠٦.
[٢]. أخرجه البخاري ٣: ١٣٢٢ من كتاب المناقب ب ٢٢ علامات النبوة في الاسلام. حديث ٣٤١٦، و: ١٣٩٨ من كتاب فضائل الصحابة ب ٥٨ ما لقي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أصحابه من المشركين بمكة حديث ٣٦٣٩.