أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ١٥٤ - السيدة زينب
على محاملهم بعض التمر و الخبز و الطعام، فصاحت فيهم السيدة زينب و قالت: يا أهل الكوفة! إنّ الصدقة علينا حرام.
و صارت تأخذ من أيدي الأطفال و أفواههم ما أخذوه من القوم و تلقي به إلى الأرض، و الناس حولهم يبكون على مصيبتهم التي حاقت بهم. فطلّت عليهم السيدة أم كلثوم برأسها من محملها و قالت لهم: صه يا أهل الكوفة يقتلنا رجالكم، و تبكينا نساؤكم! فالحكم بيننا و بينكم اللّه يوم فصل القضاء.
و بينما هي تخاطبهم، إذ بضجّة قد ارتفعت، و إذا هم قد أتوا برأس الإمام الحسين، و الرمح تلعب بها يمينا و يسارا، فالتفتت موجعة، و أومأت إليه بحرقة، و جعلت تقول:
يا هلالا لما استتمّ كمالا* * * غاله خسفه فأبدى غروبا
ما توهمت يا شقيق فؤادي* * * كان هذا مقدّرا مكتوبا
ثم أشارت رضي اللّه تعالى عنها إلى الناس، فسكتت أصواتهم، و طارت نفوسهم؛ خشية من جلال الموقف و رهبته، و أخذت تخاطبهم قائلة:
الحمد للّه، و الصلاة و السلام على أبي محمد و آله الطيّبين الأخيار.
أمّا بعد يا أهل الكوفة، يا أهل الختل [١] و الغدر، أ تبكون، فلا رقأت الدمعة، و لا هدأت الرنّة، إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتّخذون أيمانكم دخلا [٢] بينكم.
ألا و هل فيكم إلّا الصلف [٣] و النطف [٤]، و الكذب و الشنف [٥]، و ملك الإماء و غمز الأعداء، أو كرعي على دمنة [٦]، أو كغضّة ملحودة، ألا بئس ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط اللّه عليكم، و في العذاب أنتم خالدون.
[١]. الختل: الخديعة.
[٢]. دخلا: أي خيانة و مكرا.
[٣]. الصلف: التكبّر و الإصرار عليه.
[٤]. النطف: التلطّخ بالعيب.
[٥]. الشنف: البغض و الإنكار.
[٦]. الدمنة: ما تدمنه الأنعام من الأبوال و الأبعار.