الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٨٤ - ٢١٢٦- الانتصار لصاحب فرس الماء
وثبة فإذا هو في ذروة سنامه، فعند ذلك يصرّفه كيف شاء، و يتلعّب به كيف أحبّ.
و نحن لا نشكّ أنّ للفرس تحت الفارس غناء في الحرب لا يشبهه غناء، و لذلك فضّل في القسم. و إنما ذلك بتصريف راكبه له، و قتاله عليه. فأمّا هو نفسه فإنه إذ كان أوفر سلاحا من الجاموس و خام عن قرنه [١] ، و استسلم لعدوّه؛ فإنّه من هاهنا لا يقدم على غيره. و لم يكن اللّه ليجعل انحصار جميع أقسام الخير في شخص واحد، و لكن لمّا أن كان الفرس عليه تقاتل الأنبياء و أتباع الأنبياء، ملوك الكفّار و أتباع ملوك الكفار حتّى يقمع اللّه الباطل و يظهر الحقّ؛ فلذلك قدّمناه على جميع البهائم و السّباع، و إنما نقدّمه على الوجه الذي قدّمه اللّه فيه.
٢١٢٥-[الرد على صاحب فرس الماء]
و اعترض على أصحاب فرس الماء معترضون فقالوا: الفرس لا يكون إلاّ بهيمة، و البهائم لا تصيد و تأكل صيدها، و إنما طعام الفرس النّبات و ليس اللّحم لها بطعام.
و قال النمر بن تولب [٢] : [من الرجز]
و الخيل في إطعامها اللّحم ضرر # نطعمها اللّحم إذا عزّ الشّجر
في كلمته التي يقول فيها [٣] : [من الرجز]
اللّه من آياته هذا القمر
و قد تعلف في تلك الحالات اللّحم اليابس و هسيس السّمك [٤] . فأمّا الهسيس فلخيول أهل الأسياف خاصّة.
٢١٢٦-[الانتصار لصاحب فرس الماء]
قيل لهؤلاء المعترضين على فرس الماء: و قد يكون في الخلق المشترك و غير المشترك ما يأكل اللّحم و الحبّ. فالمشترك مثل الإنسان الذي يأكل الحيوان و النبات. و هذا العصفور من الخلق المشترك لأنّه يأكل الحبّ، و يصطاد النمل الطّيار
[١] خام عنه: نكص و جبن.
[٢] الرجز للنمر بن تولب في ديوانه ٣٥٥، و اللسان (هشش) ، و للطرماح في أساس البلاغة (لحم) ؛ و ليس في ديوانه، و بلا نسبة في اللسان (علف، لحم) ، و التهذيب ٥/١٠٦، ٣٤٨، و التاج (لحم) .
[٣] ديوان النمر بن تولب ٣٥٥، و اللسان (هشش) .
[٤] الهسيس: المدقوق من كل شيء.