الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٧٧ - ٢١١٦- مبارزة الجاموس للأسد
و أصناف سمك البحر، و أجناس ما يعايش سمك البحر لا تكون في أوساط اللّجج و في تلك الأهواز العظام، مثل لجّة سقوطرا، و هركند، و صنجى. و كذلك أهل البحر إذا عاينوا نباتا أو طيرا، أيقنوا بقرب الأرض إلاّ أنّ ذلك القريب قد سمّي بعيدا، فلذلك سلم ذلك الغريق بمعونة ذلك الحيوان [١] .
٢١١٥-[مسالمة الأسد للببر و معاداته للنمر]
فأمّا الأسد و الببر فمتسالمان، و أما الأسد و النمر فمتعاديان و الظّفر بينهما سجال. و النّمر و إن كان ينتصف من الأسد فإنّ قوّته على سائر الحيوان دون قوّته على الأسد، و بدنه في ذلك أحمل لوقع السّلاح، و لا يعرض له الببر، و قد أيقنا أنّهما ليسا من بابته، فلا يعرض لهما، لسلامة ناحيته و قلة شرّه، و هما لا يعرضان له لما يعرفان من أنفسهما من العجز عنه. و أمّا البهائم الثلاث اللواتي ذكرناها فإنّها فوق الأسد و النمر.
و الببر هنديّ أيضا مثل الفيل، و أمّا الكركدن فلا يقوم له سبع و لا بهيمة، و لا يطمع فيه، و لا يروم ذلك منه.
٢١١٦-[مبارزة الجاموس للأسد]
و أمّا الجاموس و الأسد فخبّرني محمد بن عبد الملك أنّ أمير المؤمنين المعتصم باللّه، أبرز للأسد جاموسين فغلباه، ثم أبرز له جاموسة و معها ولدها فغلبته و حمت ولدها منه، و حصّنته، ثم أبرز له جاموسا وحده فواثبه ثم أدبر عنه [٢] .
هذا و في طبع الأسد الجرأة عليه، لأنّه يعدّ الجاموس من طعامه، و الجاموس يعرف نفسه بذلك، فمع الأسد من الجرأة عليه على حسب ذلك و مع الجاموس من الخوف على قدر ذلك. و في معرفة الأسد أنّ له في فمه من السّلاح ما ليس لشيء سواه، و في معرفة الجاموس بعدم ذلك السّلاح منه، فمعه من الجرأة عليه بمقدار ما مع الجاموس من التهيّب له، فيعلم أنّه قد أعطي في كفّه و مخالبه من السلاح ما ليس لشيء سواه. و يعلم الأسد و الجاموس جميعا أنّه ليس في فم الجاموس و يده و ظلفه من السّلاح قليل و لا كثير، فمع الأسد من الجراءة عليه، و مع الجاموس من الخوف منه، على حسب ذلك. و يعلم الأسد أنّ بدنه يموج في إهابه، و أنّ له من القوّة على
[١] انظر ما تقدم ص ٢٣، الحاشية الثالثة.
[٢] انظر نهاية الأرب ١٠/١٢٤.