الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٧ - ١٩٩٤- السمع عند الحيوان
أنه و البهيمة سيّان، و أنه و السّبع سيّان، ليس القبيح عنده إلاّ ما خالف هواه و ليس الحسن عنده إلاّ ما وافق هواه، و أن مدار الأمر على الإخفاق و الدّرك، و على اللذّة و الألم، و إنما الصواب فيما نال من المنفعة، و إن قتل ألف إنسان صالح لمنالة درهم رديء. فهذا الدهريّ لا يخاف إن ترك الطّعن على جميع الكتب عقابا و لا لائمة، و لا عذابا دائما و لا منقطعا و لا يرجو إن ذمّها و نصب لها ثوابا في عاجل و لا آجل.
فالواجب أن يسلم هذا الكتاب على جميع البريّة، إذا كان موضعه على هذه الصّفة، و مجراه إلى هذه الغاية. و اللّه تعالى الكافي الموفّق بلطفه و تأييده، إنه سميع قريب، فعال لما يريد.
١٩٩٢-[رجع القول إلى الإخبار عن الحيوان]
ثم رجع بنا القول إلى الإخبار عن الحيوان، بأيّ شيء تفاضلت و بأيّ شيء خصّت، و بما ذا أبينت. و قد عرفنا ما أعطيت في الشّمّ و الاسترواح. قال الرّاجز [١]
و ذكر الذئب: [من الرجز]
يستخبر الرّيح إذا لم يسمع # بمثل مقراع الصّفا الموقّع [٢]
١٩٩٣-[الشم عند الحيوان]
و قد عرفنا كيف شمّ السّنانير و السّباع و الذئاب. و أعجب من ذلك وجدان الذّرّة لرائحة شيء لو وضعته على أنفك لما وجدت له رائحة، كرجل جرادة يابسة منبوذة، كيف تجد رائحتها من جوف جحرها حتى تخرج إليها، فإذا تكلّفت حملها فأعجزتها كيف تستدعي إليها سائر الذّرّ، و تستعين بكلّ ما كان منها في الجحر [٣] .
و نحو شمّ الفرس رائحة الحجر من مسيرة ميل. و الفرس يسير قدما و الحجر خلفه بذلك المقدار، من غير تلفّت و لا معاينة من جهة من الجهات. و هذا كثير، و قد ذكرناه في غير هذا الموضع [٤] .
١٩٩٤-[السمع عند الحيوان]
فأمّا السّمع فدعنا من قولهم: «أسمع من فرس» [٥] ، : «أسمع من فرخ
[١] الرجز لأبي الرديني العكلي، كما تقدم في ١/٢٩، الفقرة (١٥) .
[٢] الموقع: المحدد.
[٣] ربيع الأبرار ٥/٤٨٢، و ما تقدم في ٤/٤٥٦، الفقرة (١٢٠٨) .
[٤] انظر ما تقدم في ٢/٣٢٦، الفقرة (٣٥٠) ، ٤/٤٥٦، الفقرة (١٢٠٨) .
[٥] الدرة الفاخرة ١/٢١٨، و مجمع الأمثال ٢/٣٤٩، و أمثال ابن سلام ٣٦٠.