الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٧٨ - ٢١١٧- مغالبة الفيل للأسد
الوثوب و الضّبر [١] و الحضر، و الطّلب و الهرب، ما ليس في الجاموس، بل ليس ذلك عند الفهد في وثوبه، و لا عند السّمع في سرعة مرّه، و لا عند الأرنب في صعداء و لا هبوط، و لا يبلغه نقزان الظّبي إذا جمع جراميزه، و لا ركض الخيل العتاق إذا أجيد إضمارها. و الجاموس يعرف كلّ ذلك منه.
و مع الجاموس من النّكوص عنه بقدر ما مع الأسد من الإقدام عليه، و يعلم أنّه ليس له إلاّ قرنه و أنّ قرنه ليس في حدّة قرون بقر الوحش، فضلا عن حدّة أطراف مخالب الأسد و أنيابه و أن قرنه مبتذل، لا يصان عن شيء. و مخالب الأسد في أكمام و صوان [٢] .
و إذا قوي الجاموس مع هذه الأسباب المجبّنة على الأسد مع تلك الأسباب المشجّعة حتى يقتله أو يعرّد [٣] عنه، كان قد تقدّمه تقدّما فاحشا، و قد علاه علوّا ظاهرا. فلذلك قدّمنا الجاموس و هو بهيمة، و قدّمنا رؤساء البهائم على رؤساء السباع.
هذا سوى ما فيها من المرافق و المنافع و المعاون.
و الجاموس أجزع خلق اللّه من عضّ جرجسة [٤] و بعوضة، و أشدّه هربا منهما إلى الماء. و هو يمشي إلى الأسد رخيّ البال، رابط الجأش، ثابت الجنان. فأمّا الفيل فلم يولّد الناس عليه و على الكركدن ما ولّدوا من إفراط القوّة و النّجدة و الشّهامة، إلاّ و الأمر بينهما متقارب عندهم.
٢١١٧-[مغالبة الفيل للأسد]
و الهند أصحاب الببور و الفيول، كما أنّ النّوبة أصحاب الزّرافات دون غيرهم من الأمم. و أهل غانة إنما صار لباسهم جلود النمور لكثرة النمور بها. إلا أنّها على حال موجودة في كثير من البلدان.
و قد ذكروا بأجمعهم قوّة الفيل الوحشيّ على الأسد، و قالوا في الفيلة الأهليّة إذا لقيت عندنا بالعراق الأسد و جمعنا بينهما. قالوا: أما واحدة فإنّ ذكور الفيلة لا تكاد تعيش عندكم، و أنيابها التي هي أكبر سلاحها لا تنبت في بلادكم، و لا تعظم و لا تزيد على ما كانت عليه ما أقامت في أرضكم، و هي أيضا لا تتناتج عندكم، و ذلك
[١] الضبر: جمع القوائم في العدو.
[٢] الصوان: ما يصان به الشيء.
[٣] التعريد: الإحجام و الفرار.
[٤] الجرجس: صغار البعوض.