الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٨٥ - ٢١٢٧- شيء من الطرف و الحكم و الأشعار
و الأرضة فيأكلها، و يأكل اللّحم، و الدّجاج تأكل اللّحم و الدّيدان، و تحسو الدّم و تلقط الحبّ. و الغراب لا يدع شيئا إلاّ أكله.
و ما خرج من حدّ المشترك و هو كنحو الذّئب و الضّبع، و كنحو الشّاهين و الصّقر، فإنّ هذه و أشباهها لا تعرف إلا اللّحم. و الحمام و ضروب من الطير لا تعرف إلاّ الحبّ و النّبات. و المشترك أجمع مما هو غير مشترك.
و السّمكة تأكل الطّين و النّبات، و تأكل الجيف التي تصيب في الماء، و تصاد بضروب من الحيوان تجعل لها في الشّصوص [١] ، ثم ينصبون لكلّ ضرب من السّمك بضرب من الطّعم.
و الجرّيّ يأكل الجرذان و يصيدها، و هو آكل لها من السّنانير و الحيّات و الكلاب السّلوقية، و يأكل الجرّيّ جميع جيف الموتى. و السّمك يأكل السّمك و يأكل من كلّ حبّ و نبات يسقط في الماء.
و إن استفهم مستفهم، أو اعترض معترض فقال: و كيف يأكل الجرّيّ الجرذان، و الجرذان أرضيّة بيوتيّة، و الجرّيّ مائي؟قيل له: يخبّرنا جميع من يبيت في السّفن و في المشارع، في فيض البصرة عندنا، أنّ جرذان الأنابير [٢] تخرج أرسالا باللّيل كأنّها بنات عرس، و الجرّيّ قد كمن لهنّ و هو فاتح فاه، فإذا دنا الجرذ من الماء فعبّ فيه التهمه ليس دون ذلك شيء، بشجر فم واسع [٣] يدخل في مثله الضبّ الهرم. و إنما يضع بخطمه على الشّريعة.
و سنذكر شيئا من الطّرف و الحكم و الأشعار، إذ كنّا قد ذكرنا من الكلام في الحيوان صدرا صالحا، و أبوابا جامعة، ثم نعود في ذكر الفيل إن شاء اللّه، و اللّه الموفّق.
٢١٢٧-[شيء من الطرف و الحكم و الأشعار]
قال الشّاعر [٤] : [من الطويل]
و نحن أناس لا حجاز بأرضنا # مع الغيث ما نلقى و من هو غالب
[١] الشصوص: جمع شص، و هي حديدة عقفاء يصاد بها السمك.
[٢] الأنابير: جمع أنبار، و هي البيوت الكبيرة التي يجمع فيها طعام السلطان.
[٣] شجر الفم: مفرجه.
[٤] الأبيات للأخنس بن شهاب في المفضليات ٢٠٦.