الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٥ - ما جاء في الفيلة
كلّ ما هو بسبيله، ما لا يبلغه ذو الرّويّة التامّة، و المنطق البليغ، و أنّ منها ما يكون ألطف مدخلا، و أدقّ مسلكا، و أصنع كفّا، و أجود حنجرة، و أطبع على الأصوات الموزونة، و أقوم في حفظ ما يعيشه طريقة، إلاّ أنّ ذلك منها مفرّق غير مجموع، و منقطع غير منظوم.
و الإنسان ذو العقل و الاستطاعة، و التصرّف و الرويّة، إذا علم علما غامضا، و أدرك معنى خفيا، لم يكد يمتنع عليه ما دونه إذا قاس بعض أمره على بعض.
و أجناس الحيوان قد يعلّم بعضها علما، و يصنع بكفّه صنعة يفوق بها الناس، و لا يهتدي إلى ما هو دون ذلك بطبع و لا رويّة، و على أنّ الذي عجز عنه في تقدير العقول دون الذي قدر عليه.
[ما جاء في الفيلة]
و أنا ذاكر إن شاء اللّه، ما جاء في الفيلة من عجيب التركيب، و غريب التأليف، و المعارف الصّحيحة، و الأحساس اللطيفة، و في قبولها التّثقيف و التّأديب، و سرعتها إلى التلقين و التّقويم، و ما في أبدانها من الأعضاء الكريمة، و الأجزاء الشريفة، و كم مقدار منافعها، و مبلغ مضارّها، و بكم فضلت أجناس الحيوان، و فاقت تلك الأجناس.
و ما جعل اللّه تعالى فيها من الآيات و البرهانات، و العلامات النيّرات، التي جلاها لعيون خلقه و عرّف بينها و بين عقول عباده، و قيّدها عليهم، و حفظها لهم ليكثّر لهم من الأدلة، و يزيدهم في وضوح الحجّة، و يسخّرهم لتمام النّعمة، و الذي ذكرها اللّه به في الكتاب الناطق، و الخبر الصادق، و ما في الآثار المعروفة، و الأمثال المضروبة، و التجارب الصحيحة.
و ما قالت فيها الشعراء، و نطقت به الخطباء، و ميّزته العلماء، و عجّبت منه الحكماء، و حالها عند الملوك و موضع نفعها في الحروب، و مهابتها في العيون، و جلالتها في الصّدور، و في طول أعمارها، و قوّة أبدانها، و في اعتزامها و تصميمها، و أحقادها، و شدّة اكتراثها، و طلبها بطوائلها، و ارتفاعها عن ملك السّقّاط و الحشوة، و عن اقتناء الأنذال و السّفلة، و عن ارتخاصها في الثمن و ارتباطها على الخسف، و ابتذالها و إذالتها، و عن امتناع طبائعها، و تمنّع غرائزها أن تصلح أبدانها، و تنبت أنيابها، و تعظم جوارحها، و تتسافد و تتلاقح إلاّ في معادنها و بلادها، و في منابتها و مغارس أعراقها، مع التماس الملوك ذلك منها، حتى أعجزت الحيل، و خرجت من حدّ الطّمع.