الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٣٠ - ٢١٨٣- تكليم الأنبياء للحيوان
٢١٨٢-[ما يكلّم من ضروب الحيوان]
و النّاس قد يكلّمون الطير و البهائم و الكلاب و السّنانير و المراكب [١] ، و كلّ ما كان تحتهم من أصناف الحيوان التي قد خوّلوها و سخّرت لهم، و ربّما رأيت القرّاد يكلّم القرد بكلّ ضرب من الكلام، و يطيعه القرد في جميع ذلك، و كذلك ربّما رأيته يلقّن الببغاء ضروبا من الكلام، و الببغاء تحكيه، و إنّ في غراب البين لعجبا، و كذلك كلامهم للدب و الكلب و الشاة المكّيّة، و هذه الأصناف التي تلقن و تحكي.
٢١٨٣-[تكليم الأنبياء للحيوان]
و قد روى الناس عن النبي صلى اللّه عليه و سلم في كلام السّباع و الإبل ضروبا، و لم يذهبوا إلى أنها نطقت بحروف مقطّعة، و لكنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم إما أن يكون اللّه أوحى إليه بحاجاتها، و إمّا أن تكون فراسته و حسّه و تثبّته في الأمور، مع ما يحضره اللّه من التوفيق، بيّن له معانيها و جلاّها له، و استدلّ بظاهر على باطن، و بهيئة و حركة على موضع الحاجة، و إمّا أن يكون اللّه ألهمه ذلك إلهاما.
و أمّا جهة سليمان بن داود، صلى اللّه على نبينا و عليه، في المعرفة بمنطق الطير و منطق كلّ شيء، فلا ينبغي أن يكون ذلك إلاّ أن يقوم منها في الفهم عنها مقام بعضها من بعض، إذا كان اللّه قد خصّه بهذا الاسم، و أبانه بهذه الدّلالة. و أعلام الرّسل لا يكثر عددها، و لا تعظم أقدارها على أقدار فضائل الأنبياء؛ لأن أكثر الأنبياء فوق سليمان بن داود، و أدنى ذلك أنّ داود فوقه، لأن الحكم في الوارث و المورّث، و الخليفة و الذي استخلفه، أن يكون الموروث أعلى، و المستخلف أرفع. كذلك ظاهر هذا الحكم حتى يخصّ ذلك برهان حادث.
و إنما تكثر العلامات و تعظم على قدر طبائع أهل الزمان، و على قدر الأسباب التي تتّفق و تتهيّأ لقوم دون قوم، و هو أن يكونوا جبابرة عتاة، أو أغبياء منقوصين، أو علماء معاندين، أو فلاسفة محتالين، أو قوما قد شملهم من العادات السيّئة و تراكم على قلوبهم من الإلف للأمور المردية [٢] ، مع طول لبث ذلك في قلوبهم، أو تكون نحلتهم و ملتهم و دعوتهم تحتمل من الأسباب و الاحتيالات أكثر ممّا يحتمل غيرها
[١] المراكب: أراد ما يركب من الدواب.
[٢] المردية: المهلكة.