الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٢٧ - ٢١٨٠- الطعن في قصة الفيل
و لقبلة الإسلام، و تأسيسا لنبوّة النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و تعظيما لشأنه و لما أجرى من ذلك على يدي جدّه عبد المطلب، حين غدت الحبشة لتهدم البيت الحرام و تذلّ العرب، فلم يذكر اللّه منهم ملكا و لا سوقة باسم و لا نسب و لا لقب و ذكر الفيل باسمه المعروف، و أضاف السورة التي ذكر فيها الفيل إلى الفيل، و جعل فيه من الآية أنهم كانوا إذا قصدوا به نحو البيت تعاصى و برك، و إذا خلّوه و سومه [١] صدّ عنه و صدف. و في أضعاف ذلك التقم أذنه نفيل بن حبيب، و قال: «ابرك محمود» ، و كان ذلك اسمه.
٢١٨٠-[الطعن في قصة الفيل]
و قد طعن في ذلك ناس فقالوا: قد يستقيم أن ينصرف عنه و يحرد دونه، كلّ ذلك بتصريف اللّه له. و كيف يجوز أن يفهم كلام العرب و يعرف معنى قول نفيل؟ فإن قلتم: قد يفهم الفيل عن الفيّال جميع الأدب و التقويم، و جميع ما يريد منه عند الحطّ و الرّحيل و المقام و المسير. قلنا: قد يفهم بالهنديّة كما يعرف الكلب اسمه، و يعرف قولهم اخسأ. و قد يعرف السّنّور اسمه و يعرف الدّعاء و الزّجر، و كذلك الطّفل و المجنون، و كذلك الحمار و الفرس إذا كنّ قد عوّدن تلك الإشارة، و سماع تلك الألفاظ. فأمّا الفيل و هو هنديّ جلبه إلى تلك البلدة حبشيّ، فخرج من عجمة إلى عجمة، كيف يفهم مع ذلك لسان العرب و سرار نفيل بن حبيب بالعربيّة؟ قلنا: قد يستقيم أن يكون قال له كلاما بالهنديّة كان قد تعوّد سماعه من الفيّالين، فيكون ترجمته بالعربيّة هذا الكلام الذي حكوه، و قد يكون الذي أنطق الذّئب لأهبان بن أوس؛ و جعل عود المنبر يحنّ إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم، أن يصوّر لوهم الفيل إرادة نفيل بن حبيب. و قد يستقيم مع لقن الفيل و ذكائه و حكايته و مؤاتاته، أن يعرف ذلك كلّه و أكثر منه، لطول مقامه في أرض الحبشة و اليمن، و ليس يبعد أن يكون بأرض الحبشة جماعة كثيرة من العرب من وافد و باغ و تاجر، و غير ذلك من الأصناف، فيسمع ذلك منهم الفيل فيعرفه، و ليس هذا المقدار بمستنكر من الفيل، مع الذي قد أجمعوا عليه من فهم الفيل و معرفته.
و كان منكة المتطبّب الهنديّ صحيح الإسلام، و كان إسلامه بعد المناظرة و الاستقصاء و التثبّت، قالوا: فسمع مرّة من رجل و هو يقرأ: أَ فَلاََ يَنْظُرُونَ إِلَى اَلْإِبِلِ
[١] أي تركوه و ما يريد.