الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٠٩ - ٢١٣٨- أهليّ الفيلة و وحشيّها
٢١٣٧-[هياج الفيل]
قال: و إذا اغتلم الفيل قتل الفيلة و الفيّالين و كلّ من لقيه من سائر النّاس، و لم يقم له شيء، حتى لا يكون لسوّاسه همّ إلاّ الهرب، و إلاّ الاحتيال لأنفسهم.
و تزعم [١] الفرس أنّ فيلا من فيلة كسرى اغتلم، فأقبل نحو النّاس فلم يقم له شيء، حتى دنا من مجلس كسرى فأقشع [٢] عنه جنده، و أسلمته صنائعه، و قصد إلى كسرى و لم يبق معه إلاّ رجل واحد من فرسانه كان أخصّهم به حالا، و أرفعهم مكانا، فلمّا رأى قربه من الملك شدّ عليه بطبرزين [٣] كان في يده فضرب به جبهته ضربة غاب لها جميع الحديدة في جبهته، فصدف عنها و ارتدع، و أبى كسرى أن يزول من مكانه، فلمّا أيقن بالسّلامة قال لذلك الرجل: ما أنا بما وهب اللّه لي من الحياة على يدك بأشدّ سرورا منّي بالذي رأيت من هذا الجلد و الوفاء و الصّبر في رجل من صنائعي، و حين لم تخطئ فراستي، و لم يفل رأيي [٤] فهل رأيت أحدا قطّ أشدّ منك؟قال: نعم.
قال: فحدّثني عنه. قال: على أن تؤمّنني. فأمّنه فحدّث عن بهرام جوبين بحديث شقّ على الملك و كرهه، إذ كان عدوّه على تلك الصّفة.
قال: إذا اغتلم الفيل و صال و غضب و خمط [٥] خلاّه الفيّالون و الرّوّاض، فربّما عاد وحشيّا.
٢١٣٨-[أهليّ الفيلة و وحشيّها]
و الفيلة من الأجناس التي يكون فيها الأهليّ و الوحشيّ، كالسّنانير و الظّباء و الحمير و ما أشبه ذلك. و أنشد الكرمانيّ لشاعر المولتان قوله: [من البسيط]
فكنت في طلبي من عنده فرجا # كراكب الفيل وحشيّا و مغتلما
و هذه القصيدة هي التي يقول فيها:
قد كنت صعّدت عن بغبور مغتربا # حتى لقيت بها حلف النّدى حكما [٦]
قرم كأنّ ضياء الشّمس سنّته # لو ناطق الشّمس ألقت نحوه الكلما
[١] ربيع الأبرار ٥/٤٣٢.
[٢] أقشعوا: تفرقوا، كانقشعوا.
[٣] الطبرزين: فأس يعلقه الفارس في سرج جواده.
[٤] فال رأيه: أخطأ و ضعف.
[٥] خمط: غضب.
[٦] بغبور: لقب ملك الصين.