الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١١١ - ٢١٤٤- عمر الفيل
و لمّا رأيت الفيل ينظر قاصدا # ظننت بأنّ الفيل يلزمه الفرض
قال أبو عثمان: و قد رأيت أنا في عين الفيل من صحّة الفهم و التأمّل إذا نظر بها، و ما شبهت نظره إلى الإنسان إلاّ بنظر ملك عظيم الكبر راجح الحلم. و إذا أردت أن ترى من الفيل ما يضحك، و تراه في أسخف حالاته و أجهله فألق إليه جوزة، فإنّه يريد أن يأخذ بطرف خرطومه، فإذا دنا منها تنفّس، فإذا تنفّس طارت الجوزة من بين يديه، ثم يدنو ثانية ليأخذها فيتنفس أخرى، فتبعد عنه، فلا يزال ذلك دأبه.
٢١٤٣-[فضل الفيل على الفرس في الحرب]
قالوا: و يفضل الفيل الفرس في الحرب أنّ الفيل يحمي الجماعة كلهم، و يقاتل و يرمي و يزجّ بالمزاريق [١] ، و له من الهول ما ليس للفرس، و هو أحسن مطاوعة، و لا يعرف بجماح و لا طماح و لا حران.
و الخيول العتاق ربّما قتلت الفرسان بالحران مرّة و بالإقدام مرّة، و بسوء الطّاعة و شدّة الجزع، و ربّما شبّ الفرس بفارسه حتى يلقيه بين الحوافر و السّيوف، للسّهم يصيبه و الحجر يقع به.
و ما يشبه ظهر الفرس من ظهره، و ظهر الفيل منظرة من المناظر و مسلحة من المسالح.
٢١٤٤-[عمر الفيل]
و في الفيلة عجب آخر، و ذلك أنّ قصر الأعمار مقرون بالإبل و البراذين و بكلّ خلق عظيم. و كلّ شيء يعايش النّاس في دورهم و قراهم و منازلهم فالناس أطول أعمارا منها، كالجمل، و الفرس و البرذون، و البغل و الحمار، و الثّور و الشّاة، و الكلب و الدّجاج، و كلّ صغير و كبير، إلا الفيل فإنّه أطول عمرا.
و الفيل أعظم من جميع الحيوان جسما و أكثر أكلا، و هو يعيش مائة السنة و مائتي السنّة.
و زعم صاحب المنطق في كتاب الحيوان أنّه قد ظهر فيل عاش أربعمائة سنة.
فالفيل في هذا الوجه يشارك الضّباب و الحيّات و النّسور، و إذا كان كذلك فهو فوق الورشان و عير العانة-و هو من المعمّرين و فوق المعمّرين-و هو مع ذلك أعظم الحيوان بدنا، و أطولها عمرا.
[١] المزراق: رمح قصير.