الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٤٣ - ٢٢٠٩- القول في الزرافة
٢٢٠٩-[القول في الزرافة]
قالوا: و الزرافة تكون في أرض النّوبة فقط. قالوا: و هي تسمّى بالفارسية أشتركاوبلنك كأنه قال: بعير، بقرة، نمر. لأنّ كاو هو البقرة، و أشتر هو الجمل، و بلنك هو النّمر.
فزعموا أنّ الزرافة ولد النمرة من الجمل. فلو زعمتم أنّ الجمل يكوم الضّبع و يكوم بعض ما له ظلف ما كان إلا كذلك. و المسافدة في أجناس المخلب و الخفّ و الحافر أعمّ، فلو جعلوا الفحل هو النمر، و الأنثى هي الناقة، كان ذلك أقرب في الوهم.
و ليس كلّ ذكر يكوم أنثى يلحقها. و قد يكوم الإنسان الدابّة بشهوة منهما جميعا و لا يكون تلاقح كما اتّفقا في المسافدة. و إنّ الرّاعي يكوم الغنم و غير الغنم.
و انظر، كم من ضرب ادّعوا ممّا لا يعرف: فواحدة أنّ بهيمة ذكرا اشتهى سبعا أنثى، و هو من أصعب السّباع. ثم الثانية أنه ألقح، و الثالثة أنّ أرحام النمور لا تتّسع لأولاد الإبل.
قالوا: نمورهم عظام و إبلهم لطاف. و قد تتّسع أرحام القلاص العربيّة لفوالج [١]
كرمان، فتجيء بهذه الجمّازات [٢] . و لو لا أنه فسّر لجاز أن يكون النّمر يكوم النّاقة فتتّسع أرحامها لذلك.
قالوا: و في أعالي بلاد النّوبة تجتمع سباع و وحوش و دواب كثيرة، في حمارّة القيظ إلى شرائع المياه، فتتسافد هناك فيلقح منها ما يلقح، و يمتنع ما يمتنع، فيجيء من ذلك خلق كثير مختلف الصّورة و الشكل و القدر، منها الزّرافة.
و للزّرافة خطم الجمل، و الجلد للنّمر، و الأظلاف و القرن للأيّل، و الذّنب للظّبي، و الأسنان للبقر، فإن كانت أمّها ناقة فقد كامها نمر و ظبي و أيّل في تلك الشرائع.
و هذا القول يدلّ على جهل شديد.
و الزّرافة طويلة الرّجلين، منحنية إلى مآخيرها، و ليس لرجليها ركبتان، و إنما الرّكبتان ليديها؛ و كذلك البهائم كلّها. و عساه إنما أراد الثفنات. و الإنسان ركبتاه في رجليه.
[١] الفالج: الجمل الضخم ذو السنامين.
[٢] الجمازة: هي التي تجمز، أي تسرع في عدوها.