الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٨٣ - ٢١٢٤- فخر صاحب فرس الماء
و في هذا القياس أنّ الصّقر إنّما يواثب الكركيّ لمكان سلاحه دون شجاعة القلب التي يقوى بها الضّعيف، و بخلافها يضعف القويّ.
و سأقرّب ذلك عندك ببعض ما تعرفه، لا نشكّ أنّ الهرّ أقوى من الهرّة في كلّ الحالات، حتى إذا سفدها فحدثت بينهما بغضاء و مطالبة حدثت للهرّة شجاعة و للهرّ ضعف، فصارت الهرّة في هذه الحال أقوى منه، و صار الهرّ أضعف. و لو لا أنّه يمعن في الهرب غاية الإمعان ثمّ لحقته، لقطّعته و هو مستخذ.
و مثل ذلك أنّ الجرذ يخصى و يرمى به في أنابير التّجّار [١] و في الأقرحة [٢]
و البيادر، فلا يدع جرذا ضخما قد أعيا الهرّ و ابن عرس إلاّ قتله، و إن كان أعظم منه و أشدّ.
و الخصيّ من كلّ شيء أضعف قوّة من الفحل إلاّ الجرذ، فإنه إذا خصي أحدث له الخصاء شجاعة و جراءة، و أحدثت له الشّجاعة قوّة و أحدث علم الجرذان بحال الخصاء لها جبنا، و أحدث الجبن لها ضعفا [٣] .
و الرّجل الشّديد الأسر قد يفزع فتنحلّ قواه، و يسترخي عصبه حتّى يضربه الصبيّ. و الذّئب القويّ من ذئاب الخمر [٤] يكون معه الذئب الضعيف من ذئاب البراري، فيصيب القويّ خدش يسير، فحين يشمّ ذلك الذئب الضعيف رائحة الدّم وثب عليه، فيعتري ذلك القويّ عند ذلك من الضّعف بمقدار ما يعتري الضعيف من القوّة حتى يأكله كيف شاء.
و الأسد الذي يعتريه الضّعف في الماء الغمر حتّى يركب ظهره الصبيّ ثم يقبض على أذنيه فيغطه كيف شاء.
و قد يفعل به ذلك غلمان السّواد و شاطئ الفرات، إذا احتملت المدود الأسد لا تملك من أنفسها شيئا، و هو مع ذلك يشدّ على العسكر حتى يفرقه فرق الشّعر، و يطويه طيّ السّجل؛ و يهارش النمر عامّة يومه لا يقتل أحدهما صاحبه، و إن كان الجمل الهائج باركا أتاه فضرب جنبه ليثني إليه عنقه، كأنه يريد عضّه فيضرب بيساره إلى مشفره فيجذبه جذبة يفصل بها بين دأيات عنقه، و إن ألفاه قائما وثب
[١] الأنابير: جمع أنبار: و هي البيوت الكبيرة التي يجمع فيها طعام السلطان.
[٢] الأقرحة: جمع قراح، و هي الأرض المخلصة لزرع أو لغرس.
[٣] ربيع الأبرار ٥/٤٧١.
[٤] الخمر: ما واراك من شجر.