الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٨٢ - ٢١٢٤- فخر صاحب فرس الماء
صاحبه، و كأنّ التمساح ضرب الأسد بذنبه في الشريعة، و ضغم الأسد رأسه فماتا جميعا.
قال: و الفرس المائيّ بالنّيل يقتل التّماسيح و يقهرها و يأكلها و لا يساجلها الحرب، و لا تقع بينهما مغالبة و مجاذبة، و تكون الأيام بينهما دولا. فهذه فضيلة ظاهرة على الأسد، و شرف فرس الماء راجع إلى فرس الأرض، فإن كان فرس الأرض لا يقوى على الأسد و لا على النّمر و لا على الببر، فإن ابن عمّه و شكله في الجنس قد قوي على التّمساح و هو رئيس سكان الماء.
قالوا: أمّا واحدة فإن التمساح ليس برئيس سكان الماء إلا أن تريد بعض سكان الأودية و الأنهار و الخلجان و البحيرات في بعض المياه العذبة. و الكوسج و اللّخم و السّرطان و الدّلفين و ضروب من السباع مما يعايش السّمك ليس التمساح من بابه.
و على أن التمساح إنما يأكله ذلك الفرس و هو في الماء، و ليس للتمساح في جوف الماء كبير عمل إلا أن يحتمل شيئا بذنبه و يحتجنه [١] إليه، و يدخله الماء، و ربّما خرج إلى الأرض للسّفاد و لحضن البيض، فلا يكون على ظهر الأرض شيء أذلّ منه.
و ذلّه على ظهر الأرض شبيه بذلّ الأسد في وسط الماء الغمر [٢] . و لعمري أن لو عرض له هذا الفرس في الشرائع فغلبه لقد كان ذلك من مفاخره، فلذلك لم تذكر الخيل في باب الغلبة، و القتال و المساجلة، و الانتصاف من الأعداء.
و الفرس قد يقاتل الفرس في المروج إذا أراد أن يحمي الحجور، كما يحمي العير العانة و يقاتل دونها كلّ عير يريد مشاركته فيها، و هذا شيء يعرض لجميع الفحولة في زمن الهيج.
و قد يصاول الجمل الجمل فربّما قتل أحدهما صاحبه، و لكنّ هذه الفحولة لا تعرض لشيء من الحيوان في غير هذا الباب.
و إن أراد الفرس أسد، فليس عنده من إحراز نفسه و قتل عدوّه ما عند الجاموس، فإن فضله الجاموس بقرنيه، فإن السّلاح الذي في فم الفرس لو استعمله لكان سلاحا، و لو استدبر الأسد فركله و رمحه و عضّه بفيه، لكان ذلك ممّا يدفع عنه و يحمي لحمه.
و ليس للجاموس في أظلافه و في يديه و رجليه و في فمه سلاح، فقد دلّت الحال على أنّ مدار الأمر إنّما هو في شجاعة القلب.
[١] الاحتجان: الضم و الإمساك.
[٢] ربيع الأبرار ٥/٤٣٨.