الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٦ - القول في إحساس أجناس الحيوان
عقله منيحة من ربه، و أن استطاعته عاريّة عنده، و أنه إنما يستبقي النّعمة بإدامة الشّكر، و التعرّض لسلبها بإضاعة الشكر.
ثم حبّب إليها طلب الذّرء و السّفاد الذي يكون مجلبة للذرء [١] ، و حبّب إليها أولادها و نجلها و ذرءها و نسلها، حتى قالوا: أكرم الإبل أشدّها حنينا، و أكرم الصّفايا أشدّها حبّا لأولادها. و زاوج بين أكثرها و جعل تألّفها مع بعضها من الطّروقة [٢] إذا لم يكن الزّواج لها خلقا، و جعل إلف العرس لها عادة، و قوّاها على المسافدة، لتتمّ النعمة، و تعظم المنة، و ألهمها المبالغة في التربية، و حسن التعبّد، و شدّة التفقّد، و سوّى في ذلك بين الجنس الذي يلقّم أولاده تلقيما، و بين الذي يرضعها إرضاعا، و بين الذي يزقّها زقّا، و بين ما يحضن و ما لا يحضن. و منها ما أخرجها من أرحام البيض و أرحام البطون كاسية، و منها ما أخرجها كاسية كاسبة، و أمتعها و ألذّها، و جعلها نعمة على عباده، و امتحانا لشكرهم، و زيادة في معرفتهم، و جلاء لما يتراكم من الجهل على قلوبهم. فليس لهذا الكتاب ضدّ من جميع من يشهد الشهادة، و يصلّي إلى القبلة، و يأكل الذّبيحة و لا ضدّ من جميع الملحدين ممّن لا يقرّ بالبعث، و ينتحل الشرائع و إن ألحد في ذلك و زاد و نقص، إلا الدّهري، فإن الذي ينفي الربوبيّة، و يحيل الأمر و النّهي، و ينكر جواز الرّسالة، و يجعل الطّينة قديمة، و يجحد الثواب و العقاب، و لا يعرف الحلال و الحرام، و لا يقرّ بأن في جميع العالم برهانا يدلّ على صانع و مصنوع، و خالق و مخلوق، و يجعل الفلك الذي لا يعرف نفسه من غيره، و لا يفصل بين الحديث و القديم، و بين المحسن و المسيء، و لا يستطيع الزيادة في حركته، و لا النّقصان من دورانه، و لا معاقبة للسّكون بالحركة، و لا الوقوف طرفة عين، و لا الانحراف عن الجهة-هو الذي يكون به جميع الإبرام و النّقض، و دقيق الأمور و جليلها، و هذه الحكم العجيبة، و التدابير المتقنة، و التأليف البديع، و التّركيب الحكيم، على حساب معلوم، و نسق معروف، على غاية من دقائق الحكمة و إحكام الصّنعة.
و لا ينبغي لهذا الدهريّ أيضا أن يعرض لكتابنا هذا و إن دلّ على خلاف مذهبه، و دعا إلى خلاف اعتقاده، لأن الدّهريّ ليس يرى أنّ في الأرض دينا أو نحلة أو شريعة أو ملة، و لا يرى للحلال حرمة و لا يعرفه و لا للحرام نهاية و لا يعرفه، و لا يتوقّع العقاب على الإساءة، و لا يترجّى الثواب على الإحسان. و إنما الصواب عنده و الحقّ في حكمه،
[١] الذرء: النسل.
[٢] الطروقة: الأنثى التي بلغت الضراب.