الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٨٢ - ٤- القصص و القصاصون
من أعظم الطاعات و أفضل القربات، و تزاحم الناس على تلك المجالس، و لا ندري هل استغل المتصوفة هذه الفرصة، و من هنا انتشر ذكرهم؟ و هل كان ظهور التصوف قبل انتشار هذه المجالس، أم أنه انطلق منها فكانت نقطة بداية؟ و من المستحسن هنا الإشارة إلى نشأة التصوف و تطوره، و كيف أصبح وسيلة لنشر الخرافات و بعث الحزازات.
و الذي يظهر أن بداية التصوف كان سنة ٢٠٠ ه في الاسكندرية عند ما ظهرت طائفة يسمّون الصوفية، يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر فيما زعموا، و يعارضون السلطان في أمره، و ترأس عليهم رجل منهم يسمى أبو عبد الرحمن الصوفي [١].
و يقول القشيري: انفرد خواصّ أهل السّنة المراعون أنفاسهم مع اللّه تعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف، و اشتهر هذا الاسم بهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة [٢].
و أول من سلك طريق الملامة: أبو صالح حمدون بن عمارة القصّار المتوفى سنة ٢٧١ ه و كان يفضل أن يكون مظهره مظهر المذنبين على أنه يخشى أن يصرفه تعظيم الناس له عن اللّه.
و قيل: إن فكرة الملاقية قديمة، فقد وصفها أفلاطون في أول الكتاب الثاني من الجمهورية، العادل: الحق الذي يظن الناس أنه ليس عادلا.
و كان التصوّف قد شغل ناحية هامة من نواحي الحركة العقلية الإسلامية، بل العالمية من جهة، و كان لأعلام مفكري الإسلام كالفارابي و إخوان الصفا و ابن سينا و الغزالي و الحلّاج و ابن العربي في التصوف آراء نظرية و خطط عملية.
و لسنا بهذا العرض نريد- كما قلنا- أن نتعمّق في البحث عن التصوّف، و نشأته و تطويره في مجال الفكر، و قد تناولت ذلك أقلام الكتّاب و المؤرخين. و الذي يغنينا هنا، هو أن نعرف كيف تطوّر التصوّف، و متى حصلت فيه تلك الآراء الخاطئة، و تحول إلى ادعاءات فارغة و وقوع أعمال منكرة، و قد أصبح ضرره على المجتمع لا يقل عن أضرار القصّاصين؛ بل ربما اختلط المنهجان، و انطلقا سوية في طريق البعد عن كثير من المدّعين الصلة به، إذ أصبح فيه من الدخلاء و دعاة السوء ما تشوّه
[١] الكندي، الولاة و القضاة ص ١٦٢.
[٢] الرسالة ص ١٧.