الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٩٠ - مدرسة الإمام الصادق المنهج و التكوين
مكنون، له جلد غليظ، و تحت الجلد الغليظ جلد رقيق، و تحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة، و فضة ذائبة. فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة، و لا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة، فهي على حالها، لا يخرج منها خارج مصلح، فيخبر عن صلاحها، و لا يدخل إليها داخل مفسد فيخبر عن فسادها. لا يدري للذكر خلقت أم للأنثى، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس. أ ترى له مدبرا؟».
قال: فأطرق مليا ثم قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه، وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، و أنك إمام و حجة من اللّه على خلقه، و أنا تائب مما كنت فيه.
و ما دمنا لا نقصد الإحاطة بكل ما جرى بين الإمام الصادق و بين حركة الزنادقة، فإنها من الكثرة و السعة بحيث يضيق بها ما خصصناه لموضوع البحث في منهج الإمام الصادق و منشأ مدرسته الفكرية؛ فإننا نكتفي بهذا القدر و هي مبسوطة في مظانها.
و يتجه منهج الإمام الصادق إلى المسألة الثانية بعد التوحيد و الاستدلال على وجود الخالق في مواجهة شكوك الملحدين و أقوال الزنادقة، و هي مسألة الإمامة، أو السلطة الروحية، فيقول (عليه السلام):
«نحن نزعم أن الأرض لا تخلو من حجة، و لا تكون الحجة إلا من عقب الأنبياء. ما بعث اللّه نبيا قط من غير نسل الأنبياء، و ذلك أن اللّه شرع لبني آدم طريقا منيرا، و أخرج من آدم نسلا طاهرا طيبا، أخرج منه الأنبياء و الرسل هم صفوة اللّه و خلّص الجوهر، طهروا في الأصلاب، و حفظوا في الأرحام، لم يصبهم سفاح الجاهلية و لا شاب أنسابهم، لأن اللّه عز و جل جعلهم في موضع لا يكون أعلى درجة و شرفا منه. فمن كان خازن علم اللّه و أمين غيبه و مستودع سره و حجته على خلقه و ترجمانه و لسانه، لا يكون إلا بهذه الصفة. و الحجة لا يكون إلا من نسلهم، يقوم مقام النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في الخلق بالعلم الذي عنده و ورثه عن الرسول. إن جحده الناس سكت، و كان بقاء ما عليه الناس قليلا مما في أيديهم من علم الرسول على اختلاف منهم فيه، قد أقاموا بينهم الرأي و القياس. و إنهم إن أقرّوا به و أطاعوه و أخذوا عنه، ظهر العدل و ذهب الاختلاف و التشاجر، و استوى الأمر و أبان الدين، و غلب على الشك اليقين. و لا يكاد أن يقرّ الناس به و لا يطيعوا له أو يحفظوا له بعد فقد الرسول.