الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٩٨ - الإمام الصادق و التفسير الصوفي
و يقيم فيهم الحدود و الأحكام. و فيها: أنا لا نجد فرقة من الفرق و لا قلة من الملل بقوا و عاشوا إلا بقيّم و رئيس لما لا بد لهم منه في أمر الدين و الدنيا، فلم يجزي في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم أنه لا بد لهم منه، و لأقوام لهم إلا به، فيقاتلون به عدوّهم، و يقسّمون به فيئهم، و يقيمون به جمعتهم و جماعتهم، و يمنع ظالمهم من مظلومهم. و منها إنه لو لم يجعل لهم إماما أمينا حافظا مستودعا لدرست الملة، و ذهب الدين، و غيّرت السنن و الأحكام، و لزاد فيه المبتدعون، و نقص من الملحدون، و شبّهوا ذلك على المسلمين، إذ قد وجدنا أن الخلق منقوصون محتاجون غير كاملين مع اختلافهم و اختلاف أهوائهم، و تشتت حالاتهم، فلو لم يجعل فيها قيما حافظا لما جاء به الرسول الأول، لفسدوا على نحو ما بيناه، و غيّرت الشرائع و السنن و الأحكام و الإيمان، و كان في ذلك فساد الخلق أجمعين .. الخ [١].
٢- إن أمرا بمثل هذه الأهمية و على مثل هذه الصفة الدينية، لا يمكن أن يهمله النبي المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و فحوى الاختلاف هي التي تعيّن الصفة الدينية أو الصفة الزمانية، لأن الأخذ بالوصية وفق منظور الأئمة، و الهداية الدينية يجنّب الأمة ما انتهت إليه الأحوال في عهد بني أمية أو بني العباس. و لا يدع مجالا لغلبة الأهواء أو تحكّم المصالح، و عندنا أن الناس عند التحاق النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالرفيق الأعلى و انقطاع الوحي بموته، لم يكونوا جميعهم على درجة واحدة من الإيمان، بل كانت المدينة المنورة و الجزيرة العربية تضمّ أناسا من الذين أسلموا فحسب، و آخرين من المنافقين و ذلك بنص القرآن و شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال اللّه تعالى: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [٢] و قال سبحانه:
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ [٣].
و قال تعالى أيضا: وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً و قال: يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَ إِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي
[١] علل الشرائع.
[٢] سورة الأنفال، آية: ٤٩.
[٣] سورة المائدة، آية: ٥٢.