الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٦٧ - ٤- القصص و القصاصون
و لا شك أن معاوية استعمل تلك الفئة المرتزقة كما قدّمنا ليستعين بها في وضع الأحاديث لدعم ملكه، و حمايته بوجه موجة الاستنكار، و قد استطاع أن ينشر بين الناس مناقب عثمان الموضوعة، و مناقب البلدان، و مناقب بعض الرجال و العشائر كما يشاء.
كما أنه استطاع أن يختلق لخصومه مثالب أبرزها في قالب الابتكار و الخيال الواسع، و تمكّن بهذه القوة، أن يزوي ما لعلي (عليه السلام) من مناقب و ما ورد فيه من أحاديث صحاح، فكان بحكم تلك الدعايات التي هي كأوامر رسمية أن أصبح الخطباء يعلنون سبّ علي (عليه السلام) و شيعته، و كان الوعّاظ يختمون مجالسهم بشتمه (عليه السلام) و كان يلزم الناس بإعلان سبّه و البراءة منه، و فرض عليهم تعليمه لأبنائهم، و أصبح معاوية بمقتضى تلك الأساليب و بتلك الأكاذيب هو: أمين الأمة، و كاتب الوحي، و خال المؤمنين، إلى آخر ما هنالك من أساطير.
و مهما حاول معاوية إخفاء فضل علي (عليه السلام) فقد انهار ما بنى، و بقي ذكر علي و أهل بيته (عليه السلام) تردّده الأجيال بفخر و اعتزاز على مرّ العصور و الأيام.
إذا ما بناء شاده الدين و التقى* * * تهدّمت الدنيا و لم يتهدّم
و لسنا هنا بمعرض البحث عن تلك الأزمنة، فقد أشرنا إلى بعضها في الأجزاء السابقة، و جلّ اهتمامنا في جميع ما ذكرناه هنا و هناك، هو إعطاء صورة عن الأمور المحزنة التي تحزّ بالنفس، و التي حدثت في أزمنة متأخرة من الزمن. الذي كان ظرف تلك الحوادث و هي امتداد لما حدث فيها من خلافات.
و على أي حال، إن الأثر الذي أحدثه القصّاصون في ذلك المجتمع من إثارة فتن، و إيقاد نار البغضاء بين طوائف المسلمين، و إشعال حروب طاحنة؛ هو من أعظم الأمور التي ابتلي بها المسلمون في تلك الفترة المظلمة.
لقد كان أولئك النفر يحرّضون الناس على القتال و النهب، و يحرّكون القلوب، و يثيرون الشعور بما يفتعلونه من أقوال و يضعون من أحاديث، يغذّون بها أدمغة العامة، كما قاموا في المساجد و الجوامع و الطرقات و الأندية يبثّون سمومهم.
فاتخذتهم السياسة سلاحا فاتكا- كما قدمنا- و هم ينتشرون في ساحات الحرب