الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٦٩ - ٤- القصص و القصاصون
فهاجت العامة، و قامت الغوغاء، و تناولوه بألسنتهم، و توعّدوه بالقتل و الرجم [١].
و أنكر علي بن نبال على قاص بما حدّث، فعظم ذلك على العامة و همت بإيقاع المكروه فيه، فاختفى عنهم و توارى في بيته. و سمع الأعمش أحد القصاص يقول:
حدثنا الأعمش. فقام و توسط الحلقة، و جعل ينتف شعر إبطه. فقال القاص:
يا شيخ، أ لا تستحي نحن في حلقة علم، و أنت تفعل مثل هذا؟!! فقال الأعمش: الذي نحن فيه خير من الذي أنت فيه.
قال: كيف؟
قال: إني في سنّة، و أنت في كذب. أنا الأعمش، ما حدّثتك مما تقول شيئا [٢].
و تجنّب العلماء معارضة القصّاصين، و الردّ عليهم تقية و خوفا على أنفسهم، لأن العامة ارتبطوا بالقصاص، و أقبلوا عليهم و تقبلوا كل ما يلقونه من الموضوعات، و القصص الخرافية. و قد قام أحد القصّاصين فحدّث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه قال: من بلغ لسانه أرنبة أنفه لم يدخل النار. فلم يبق أحد منهم إلا و قد أخرج لسانه يومىء بها إلى أرنبة أنفه. و من هذا الباب تسرّبت أكثر الأحاديث المرغّبة في كثير من الأعمال.
و دخلت أذهان العامة تلك الخرافات و الأباطيل، و أصبحت و كأنها حقائق لا تقبل الشك و لا تخضع للجدل، كما أدخلوا كثيرا من العقائد المفتعلة ضمن أحاديث مكذوبة أحدثوها، و ربما خلقوا لها أسانيد من أنفسهم. و من أغرب ما ورد عنهم أن أحدهم قام فحدّث عن أبي خلفة أنه قال: حدثنا الوليد بن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي. فقام إليه أبو حاتم البستي و قال له: رأيت أبا خلفة؟ قال: لا. فقال له كيف تروي عنه و لم تره؟
فقال القاص: إن المناقشة معنا من قلة المروة، أنا أحفظ هذا الإسناد الواحد، و كلما أسمع حديثا ضممته إلى هذا الإسناد.
و من ذلك أن قاصّا حدّث بحديث و أسنده عن أحمد بن حنبل و يحيى بن معين
[١] المصدر السابق في المقدمة.
[٢] الأسرار المرفوعة لعلي القاري ٥٥. و الأحياء للغزالي ١/ ٥٨.