الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٠ - ٢- خلق القرآن
و شجعانا في الأضرار. و في هذا الخضمّ استبيحت الدماء و الأموال ففي سنة ٤٩٥ ه قدم بغداد عيسى بن عبد اللّه الغزنوي، فوعظ الناس- و كان شافعيا أشعريا- فوقعت فتنة بين الأشعرية و الحنابلة [١] إذ لا يروق لهم أن يكون أشعري أو شافعي بوظيفة الوعظ في تلك الأيام. فهاجوا لذلك، و وقعت الفتنة، و وقع فيها حريق ببغداد.
و في سنة ٥١٣ ه دخل أبو نصر القشيري بغداد، فوعظ بها، فثارت الحنابلة و وقعت فتنة بينهم و بين الشافعية، و أخرج القشيري من بغداد [٢]. و في خوارزم أحرق الحنابلة جامعا عظيما في مرو بناه نظام الدين مسعود بن علي المتوفى سنة ٥٩٦، بناه للشافعية، فحسدتهم الحنابلة و أحرقوا الجامع.
يقول أبو حامد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥ ه: و قد سلمت المدارس لأقوام قل من اللّه خوفهم، و ضعفت في الدين بصيرتهم، و قويت في الدنيا رغبتهم، و اشتدّ على الاستتباع حرصهم، و لم يتمكنوا من الاستتباع و إقامة الجاه إلا بالتعصب، فحبسوا ذلك في صدورهم، و لم ينبهوهم على مكايد الشيطان فيه، بل نابوا عن الشيطان في تنفيذ مكيدته، فاستمرّ الناس عليه، و نسوا أمهات دينهم. فقد هلكوا و أهلكوا، فاللّه تعالى يتوب علينا و عليهم.
و قال ابن كثير و هو في واقعه و حقيقته من كبار علماء الحنابلة رغم صبغة الشافعية بعد ذكره لهذا الحادث في تاريخه: (و هذا إنما يحمل عليه قلة الدين و العقل).
و الواقع أن قضية خلق القرآن، هيأت للحنابلة عهدا بعث لهم النشاط في أعمالهم التي لا تدخل تحت نطاق الدين، و لا تخضع لحكم العقل، لأنهم قاموا بدور الغوغاء من الهمجية في كثير من القضايا، فقد كمّوا أفواه العلماء بغوغائهم من الردّ عليهم. خذ مثلا قضية الشريف عبد الخالق بن عيسى شيخ الحنابلة عند ما توفي و أراد العوام أن ينبشوا قبر أحمد بن حنبل و يدفنوه معه، و لم يستطع أحد من العلماء أن يردّ عليهم و يمنعهم عن نبش القبر، فقال أبو محمد التميمي من بين الجماعة: كيف
[١] راجع الطبري ١٠/ ٢٨٦ و ابن طيفور ١٨١ و ١٨٢.
[٢] راجع ابن كثير ج ١٢ ص ١٦٢.