الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٢٧ - الأمر الثاني الزهد
الإشارة إلى وجود محاولات لإدخال التعابير الصوفية في العقائد الشيعية و في مجال التفسير، و هي قائمة على أساس واضح من فهم عقائد أهل البيت و أحكامهم، لذلك فهي لا تتعدى استعارة الألفاظ الصوفية و استعمالها في الكتابة بسبب من الاتجاه و السلوك في الحياة، و الرغبة في الزهد الظاهر و التقشّف الغالب، و هي محاولات تفسيرية متأخرة رأت في اتجاهها و سلوكها ما يجمعها مع مفاهيم التصوّف و صيغه التعبيرية، و لكنها تعتمد عقائد الإمامية ركنا و أساسا يضبط استعمالها في الكتابة مما ينسجم مع بيئات الزهد في خراسان و المشرق، و التي قامت على أساس جهاد النفس و قمع هواها تزكية، لها لتكون أهلا لمعرفة اللّه و حمل رسالة الإسلام و أحكام المصطفى الهادي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هو الأساس الذي يمكن أن يعزى إليه، و يوافق القبول روح الزهد في الدنيا و العزوف عن ملذّاتها و زخرفها، و الإقبال على الآخرة بالطاعات و العمل الصالح من دون انقطاع عن وتيرة الحياة و مسلك العيش و البقاء في صميم المجتمع.
و نورد بعض أقوال تفسير الإمام الصادق المعروفة بطرقها من مختلف المذاهب الإسلامية، كقوله (عليه السلام): «نحن حبل اللّه الذي قال اللّه فيه: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا». لأن الإمام الصادق (عليه السلام) تبوء موقع الإمامة في ذلك المنعطف الحاسم الذي يشهد غليان الأطماع و تكالب الناس على الدنيا، و اتجاههم إلى الحكام، فكان عليه أن يواجه ذلك بنهجه في توحيد صفوف الأمة و جمعها حول ما يمثّل روح القرآن و رسالة محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يصون كيانها من سيوف الظلمة، و حرمات المؤمنين من تعدّيات الحكام و عقائد الأمة من انحرافات القصور.
لقد كان (عليه السلام) يوجّه الناس في ضوء الأحداث، و يوصي أصحابه بما عليهم أن يقوموا به، و قد يصل به الأمر إلى أن يطلب من أصحابه أن يعتزلوا لأمر يخشى منه إما من جور أو فساد كما في وصيته لحفص بن غياث: «إن قدرت أن لا تخرج من بيتك فافعل، فإن عليك في خروجك أن لا تغتاب و لا تكذب و لا تحسد و لا ترائي و لا تتصنّع».
و يجعل الناس على ثقة من زوال البلوى السياسية، و يتّخذ من سلاح الدين وقاية، إذ يقول لسفيان الثوري [١]: «إذا أحزنك أمر من سلطان أو غيره فأكثر من: لا
[١] الكوفي. ثقة و حافظ و فقيه و حجة. توفي سنة ١٦١ ه مرّت ترجمته في الجزء الأول.