الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٢٩ - الأمر الثاني الزهد
اليهودية و المسيحية، فتأتي نسبة التفسير الصوفي زورا ليتلقّفها الذين في قلوبهم زيغ و أمراض، و يستمدّوا منها أقوالهم في الطعن بعقائدنا و أئمتنا. و لو تحلّى البعض بيسير من قيم الأمانة، لما نازعوا الأمر أهله، و لأخذوا ببينة دامغة و شواهد ناصعة، إن لم يناد بها الشيعة فإن كتبهم تصرخ في نفيها و دحضها، و إذا قبلنا من المتصوفة حب آل البيت، فلا يقبل أحد- يحرص على الإسلام و ملته- أن يمدّ الأعداء بما يشفي غليلهم و ضغينتهم، و يجعلوا من آل بيت النبي و عترته- و هم عدل الكتاب- غرضا لأعداء الدين و المستشرقين.
و يجمع هؤلاء ما انتحله المتصوّفة إلى أفانين الغلاة و أقوالهم، ليقيموا و همهم و آراءهم على أحاسيس و تخيّلات تبعد عن واقع الأئمة، فإن النظرة المتزنة و الاطلاع على تاريخ الشيعة و عقائدهم، يكشفان عن الفروق و الاختلافات، و إن التعميم بتأثير عدم التمييز ما هو إلا افتراء محض و خيانة للأمانة التاريخية التي يجب أن يتحلّى بها المختص إن كان من غير أهل الإسلام، و خيانة للأخوّة الدينية إن كان من أهل الشهادة.
فيجمعون نصوص المتصوّفة في الحلول و الاتحاد إلى نصوص الفرق الأخرى التي يتجاهلون اختلافها في العقائد عن الشيعة، و ينمّقون التّهم، و هي على هذا النمط الذي قدمناه كثيرة. و غيرها من الكتب الأخرى لغير المتصوفة من الفرق الأخرى، كالنصوص التي تجدها موضوعة على لسان الإمام الصادق (عليه السلام) برواية المفضل الجعفي، نذكر منها هذه النبذة القصيرة:
قال المفضل:
أخبرني يا مولاي عن قصة الحسين كيف اشتبه على الناس قتله و ذبحه كما اشتبه على من كان قبلهم في قتل المسيح؟ قال الصادق: يا مفضل، هذا سرّ من أسرار اللّه، أشكله اللّه على الناس، فعرفه خاصة أوليائه و عباده المؤمنون المختصّون من خلقه ...
إن الإمام يدخل في الأبدان طوعا و كرها، و يخرج منها إذا شاء طوعا و كرها، كما ينزع أحدكم جبته و قميصه بلا تكلف و لا ريب ... [١].
إلى آخر ما في الكتاب من أقوال باطنية نسجتها الخيالات، و أدّت إليها ظروف
[١] انظر: الهفت الشريف، تقديم و تحقيق مصطفى غالب ط بيروت ١٩٦٤.