الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٢٦ - الأمر الثاني الزهد
مخالطة المخالفين، و الاختلاط بغير الحق، و القائمين مع فؤاد العارفين، المقيمين معه على بساط الأنس و الخدمة. وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ: الأئمة السادة الذين رجعوا إلى البداية عن تناهي النهاية.
فجميعها من صور الأحوال لديهم، و صياغتها لا تختلف في شيء عن مقالات رجالهم، بل ما أبعدها عن أقوال الأئمة و مشاهد مناجاتهم للّه، أو تضرّعهم بين يديه بما لا يشعر إلا بالعبودية و تنزيه الله تعالى عن كل مشابهة بالمخلوقات، و التبرؤ عن أدنى ميل إلى الحلول أو الاتحاد أو التجسيم.
و لقد أوضحنا سابقا أن الإمام الصادق احتج على الصوفية في أمهات أفكارهم و أسس طريقتهم، و رأينا كيف ميّز موقفه، فقد يكون من بين الذين يدخلون عليه جماعة يرون في الذي عليه الصوفية متفقا مع عبادته و نسكه و أجواء الانقطاع للّه التي يحسّونها في كل حركة و إشارة. و الإمام الصادق يدعو إلى أن يكون الإيمان و العمل شعار حياة المسلم، فلا تحول عبادة و أداء فريضة عن مسئوليات الحياة العملية، و ينزوي الناس عن حياة مجتمعهم و هي الصعيد الحقيقي للدعوة و البناء.
و نحن شيعة أهل البيت (عليهم السلام) و أصحاب المذهب الجعفري نعلم أن هناك من بين كتبنا ما فيه بعض الأقوال التي تدرج في التفسير أو تنسب إليه، و هي في حقيقتها أقوال تنطلق من واقع ولاء يأخذ الصورة التي تطلّ من وراء نص أو حديث، و يرفعها بوجه تيارات العداء و النصب التي لعبت في عقول خدم الحكام و عبيد الخلفاء، و على قلة هذه الأقوال أو ندرتها، فما أعتبر منها لا يخرج عن باعث الولاء لأهل البيت و التعبّد ببعض الصور المأثورة، كما قيل في: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ [١]. و ليس هنا موضع بحث ذلك، فهو يحتاج إلى سعة في القول يوفي بالغرض و يوضّح الفرق بين قول لا يقصد به إلا الصورة و ليس الحال و أسباب النزول، و بين النحل أو الادعاء للاستفادة من موقع الإمام الصادق و منزلته العظيمة في النفوس، و إن كنّا لا ننفي وجود الحب و الولاء لدى أهل الصوفية و ميلهم إلى الإمام الصادق (عليه السلام) كما لا تفوتنا
[١] و هي مشهورة بسندها عن ابن عباس، و لم يختص بإيرادها الشيعة وحدهم، بل علماء السنة أيضا كالخوارزمي. و هي تشبيهات يساعد عليها اللفظ، و قد أدّت سياسات النّصب و حملات العداء لآل البيت إلى الاستشهاد بها و ذكرها محرّفة.